الأسبوع العربيحقوق الإنسان

الحق في التصوير بين المشروعية والتجريم

القانون و الرأى العام

كتب : عمر آل سعديه

يعرف بين الكثيرين ان التصوير بدون إذن نيابه لا يصح و لا يؤخذ به و ان التصوير لا يصح دليلا أمام القضاء وهل يمكن أن يوثق شخصا جريمة سواء كانت تقع عليه نفسه أو أنه التقطها عرضا وكانت هذه الجريمة تقع على شخص آخر هل يمكن الأخذ به كدليل كل تلك الأسئلة وأكثر سوف نجيب عليها بالنصوص القانونية فى هذا المقال

أصبح التصوير في العصر الحديث من أكثر صور التعبير والتوثيق شيوعًا، بعد أن تحولت الهواتف المحمولة إلى أدوات متاحة للجميع لالتقاط الصور وتسجيل الوقائع والأحداث ونشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ومن ثم أثير تساؤل قانوني مهم حول مدى مشروعية تصوير الأشخاص والأماكن، وما إذا كانت إباحة التصوير تستتبع بالضرورة إباحة نشر الصور التي تم التقاطها.

وتزداد أهمية هذا التساؤل في ظل التوازن الواجب إقامته بين حرية التعبير والتصوير من ناحية، وحق الإنسان في حماية حياته الخاصة من ناحية أخرى.

فهل الحق في التصوير يعني بالضرورة الحق في نشر الصورة؟ أم أن لكل منهما نطاقًا قانونيًا مستقلًا؟

أولًا: التصوير باعتباره أحد صور حرية التعبير

قرر الدستور المصري في المادة 65 أن حرية الفكر والرأي مكفولة، ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير والنشر

ويستفاد من ذلك أن التصوير لم يعد مجرد فعل مادي محض، وإنما يمكن أن يكون وسيلة من وسائل التعبير والتوثيق وإيصال المعلومات.

غير أن الاعتراف الدستوري بحرية التصوير لا يعني إطلاقها دون قيود؛ إذ إن ممارسة الحقوق والحريات الدستورية لا تنفصل عن حماية الحقوق والحريات الأخرى، وفي مقدمتها حرمة الحياة الخاصة وحق الإنسان في صون صورته وخصوصيته.

 التصوير في الأماكن العامة

جاء قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 2720 لسنة 2022 بشأن قواعد التصوير الشخصي في الأماكن العامة ليضع إطارًا أكثر وضوحًا لهذه المسألة.

وقد قرر القرار سريان أحكامه على التصوير الشخصي للمصريين وكذلك الأجانب المقيمين والسائحين في الأماكن العامة بجمهورية مصر العربية، وأجاز التصوير الشخصي في الأماكن العامة دون اشتراط الحصول على تصريح أو سداد رسوم، وفقًا للضوابط التي حددها القرار

وبالتالي، فإن الأصل في التصوير الشخصي في الأماكن العامة هو المشروعية متى تم في الحدود التي رسمها القانون والقرارات المنظمة، مع مراعاة القيود المتعلقة بالأماكن أو الحالات التي يحظر القانون تصويرها.

وهنا ينبغي التمييز بين أمرين:

مشروعية فعل التصوير ذاته، ومشروعية ما يتم فعله بالصورة بعد التقاطها.

وهذا التمييز هو جوهر المسألة.

ثالثًا: متى يتحول التصوير إلى جريمة؟

أولى المشرع المصري الحياة الخاصة حماية جنائية صريحة، ومن أهم النصوص المنظمة لذلك

 المادة 309 مكرر من قانون العقوبات.

فقد عاقبت هذه المادة بالحبس مدة لا تزيد على سنة كل من اعتدى على حرمة الحياة الخاصة للمواطن، ومن صور ذلك أن يقوم، في غير الأحوال المصرح بها قانونًا أو بغير رضاء المجني عليه، بالتقاط أو نقل صورة شخص بجهاز من الأجهزة أيا كان نوعه في مكان خاص.

واللافت للنظر هنا أن المشرع ربط التجريم ـ في هذه الصورة ـ بالمكان الخاص.

وقد استقرت أحكام محكمة النقض على أن المكان الخاص هو المكان المغلق الذي لا يسمح بدخوله للغير إلا بإذن صاحبه أو من له الحق في استعماله أو الانتفاع به، أو المكان الذي يحول دون اطلاع الموجودين خارجه على ما يجري بداخله.

وبالتالي، فإن مجرد وجود شخص أمام عدسة الكاميرا لا يكفي وحده لقيام الجريمة المنصوص عليها في المادة 309 مكرر، وإنما يلزم توافر باقي العناصر التي تطلبها النص، وعلى رأسها أن يكون التصوير قد وقع في مكان خاص، فضلًا عن عدم وجود رضا أو سند قانوني يبيح التصوير.

رابعًا: موقف محكمة النقض من التصوير في المكان العام

تتضح أهمية ذلك بصورة أكبر في حكم محكمة النقض الصادر في الطعن رقم 17841 لسنة 92 قضائية بجلسة 28 فبراير 2024.

وتتلخص الواقعة في قيام المتهم بتصوير شخصين أثناء نزولهما من سيارة شرطة وهما مقيدان، وذلك في الطريق العام وعلى مرأى ومسمع من المارة.

وانتهت محكمة النقض إلى أن التصوير في هذه الحالة لا يشكل، بمجرده، اعتداءً على حرمة الحياة الخاصة بالمعنى المقصود في النص، بالنظر إلى أن الواقعة حدثت في مكان عام. كما تناولت المحكمة مفهوم المكان الخاص باعتباره المكان المغلق الذي يتعذر بلوغه بنظرات من الخارج ولا يسمح بدخوله للغير إلا بإذن صاحبه أو مستغله أو المنتفع به.

وتكشف هذه القضية عن مبدأ بالغ الأهمية:

أن مجرد تصوير شخص في مكان عام لا يكفي بذاته لقيام جريمة الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة المنصوص عليها في المادة 309 مكرر من قانون العقوبات.

لكن هل يعني ذلك أن الصورة التي تم التقاطها بصورة مشروعة يجوز نشرها دون قيد؟

هنا تبدأ مرحلة قانونية أخرى.

 هل مشروعية التصوير تعني مشروعية النشر؟

الإجابة: لا.

فالتصوير والنشر فعلان مختلفان من الناحية القانونية، ولكل منهما شروطه وضوابطه.

فقد يكون التصوير ذاته مشروعًا، لوقوعه في مكان عام، ثم يأتي النشر لاحقًا في صورة تمس خصوصية شخص أو تنتهك حقًا من حقوقه، فتقوم المسؤولية القانونية على فعل النشر ذاته متى توافرت عناصر الجريمة.

وهذا الأمر يظهر بصورة واضحة في قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018.

سادسًا: المادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات

جاءت المادة 25 من القانون رقم 175 لسنة 2018 لتقرر حماية جنائية لحرمة الحياة الخاصة في البيئة الرقمية.

ونصت على العقاب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، وبغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه ولا تجاوز مائة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، في حالات من بينها النشر عن طريق الشبكة المعلوماتية أو إحدى وسائل تقنية المعلومات لمعلومات أو أخبار أو صور وما في حكمها تنتهك خصوصية أي شخص دون رضاه، سواء كانت المعلومات المنشورة صحيحة أو غير صحيحة.

ومن ثم، فإن المشرع لم يجعل صحة الصورة أو المعلومة المنشورة سببًا كافيًا لإباحة نشرها.

فحتى لو كانت الصورة حقيقية، فإن نشرها قد يدخل في نطاق التجريم متى كان من شأنه انتهاك خصوصية شخص دون رضاه وتوافرت باقي عناصر النص.

وهنا يظهر الفارق الجوهري:

قد يكون التقاط الصورة مشروعًا، ولكن قد يكون نشرها غير مشروع.

استقلال فعل التصوير عن فعل النشر

يمكن من الناحية القانونية تصور ثلاث حالات:

الحالة الأولى: تصوير غير مشروع دون نشر

كأن يتم تصوير شخص داخل مكان خاص دون رضاه، فتقوم الجريمة بمجرد توافر عناصر المادة 309 مكرر من قانون العقوبات، حتى لو لم يتم نشر الصورة.

الحالة الثانية: تصوير مشروع ثم نشر غير مشروع

كأن يتم التقاط صورة في مكان عام بصورة لا تخالف القانون، ثم يتم نشرها عبر إحدى وسائل تقنية المعلومات بطريقة تنتهك خصوصية شخص دون رضاه، فتكون المساءلة ـ متى اكتملت عناصر الجريمة ـ عن فعل النشر وفقًا للنصوص واجبة التطبيق، ومن بينها المادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات.

الحالة الثالثة: تصوير ونشر مشروعان

وذلك عندما يتم التصوير والنشر في إطار لا يمس حقًا يحميه القانون ولا تتحقق معه عناصر أي جريمة أو اعتداء على حق من الحقوق المحمية.

وبالتالي، فإن القول بأن “التصوير كان قانونيًا” لا يؤدي تلقائيًا إلى القول بأن “النشر قانوني”.

ونقول هنا أن النشر لو تم بطريق الإشارة مع اتخاذ تدابير تحفظية تحول دون تبين هوية الأشخاص الظاهرين فى الصورة أو الصورة أو المادة المنشورة أو الاستعانة بمشهد تمثيلى مخلق بالذكاء الاصطناعي فقط من أجل شحذ الرأى العام و جمع مزيد من الاهتمام و لفت النظر و الإنتباه من أجل التعجيل بالقبض أو التوثيق لحفظ الدليل أو التخوف من نفوذ من تم تصويره مع الاستفادة من نص المادة ٦٥ من الدستور الاى أعطت حرية الرأي والتعبير والتى منها بطبيعة الحال النشر يمكن أن أراه مبرر وله وجاهة خصوص فى دول العالم الثالث مع التحفظ من أن ذلك قد يخلق ضغط على جهات التحقيق و التقاضى لتهدئة الرأى العام المشحون دون اخذ العدالة متجرده من كافة الأوجه حتى. وان كانت مؤلمة ولم تتوافق أو تلائم ما يتجه إليه الرأى العام

المسألة في حقيقتها ليست صراعًا بين حقين متناقضين، وإنما هي محاولة لتحقيق التوازن بين حق دستوري في التعبير والتصوير، وحق قانوني ودستوري في حماية الحياة الخاصة.

فمن ناحية، لا يجوز تحويل حماية الخصوصية إلى وسيلة لحظر التصوير في الأماكن العامة على إطلاقه، خصوصًا وأن التصوير قد يكون وسيلة لتوثيق الوقائع والأحداث وممارسة حرية التعبير. و الاهم ما أراه اهم هو توثيق الجرائم والاعتداء على الأشخاص بشرط عدم التحضير المسبق أو الخلسة أو التربص أو يظهر منه الاستفزاز من أجل التصوير ولكن لا يتصور أن نحرم شخص من حقه فى استخدام التكنولوجيا فى حقه فى توثيق و تصوير. جريمة و اعتداء وقع عليه أو على زوجته أو ابناؤه أو أقاربه أو أنه رأى جريمة ترتكب وقد أفلت مرتكبها بفعله بكل ما يحمله بشاعة أن يفلت جانى بفعله و ما يمكن ان يكمن فى النفس البشرية من اختلاط وتداخل القرائن و الدلائل وتقوم النفس البشرية بالثار أو حمل الضغينه ليس للجانى الحقيقى وأنما للشخص الخاطئ أو الذى لم يرتكب الفعل هنا ياتى اهميه ما تم تسجيله و تصوير من فض الاشتباك و استجلاء الحقيقة التى تريح الضمير وتهدأ ثورة الثأر والانتقام

ومن ناحية أخرى، لا يجوز اعتبار المكان العام ترخيصًا مفتوحًا للتشهير بالأشخاص أو انتهاك خصوصيتهم أو نشر صورهم بأي طريقة كانت.

فوجود الشخص في مكان عام قد يؤثر في مدى تمتعه بالحماية من مجرد التقاط صورته، لكنه لا يعني بالضرورة سقوط جميع صور الحماية القانونية المتعلقة بخصوصيته أو شرفه أو اعتباره.

النشر مرحلة قانونية مستقلة

من أهم النتائج التي يمكن استخلاصها من النصوص سالفة البيان وحكم محكمة النقض المشار إليه أن عملية التصوير ومرحلة النشر لا ينبغي دمجهما في فعل قانوني واحد.

فالتصوير يبحث في مشروعية الحصول على الصورة ابتداءً.

أما النشر فيبحث في مشروعية إتاحة الصورة للغير وتداولها، وبخاصة إذا كان النشر عبر شبكة معلوماتية أو وسيلة من وسائل تقنية المعلومات.

ومن ثم، فإن السؤال القانوني لا ينبغي أن يكون:

“هل كان من حقه أن يصور؟”

فقط، وإنما يجب أن يتبعه سؤال آخر مستقل:

“هل كان من حقه أن ينشر ما قام بتصويره؟”

وهنا تختلف الإجابة بحسب ظروف كل واقعة، وطبيعة الصورة، ومكان التقاطها، وطريقة الحصول عليها، وطريقة نشرها، والغرض من النشر، ومدى مساسه بخصوصية الشخص، والنص القانوني المنطبق على الواقعة.

يستخلص مما تقدم أن الحق في التصوير ليس حقًا مطلقًا، كما أن حظر التصوير ليس هو الأصل في الأماكن العامة.

فالدستور اعترف بالتصوير باعتباره إحدى وسائل التعبير، وقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 2720 لسنة 2022 نظم التصوير الشخصي في الأماكن العامة وأقر مشروعيته في الحدود التي رسمها، بينما وضع قانون العقوبات حماية جنائية للحياة الخاصة، ومن بينها حظر التقاط أو نقل صورة شخص في مكان خاص في غير الأحوال المصرح بها قانونًا أو بغير رضائه.

وفي المقابل، فإن النشر يمثل فعلًا قانونيًا مستقلًا عن فعل التصوير؛ إذ قد يكون الحصول على الصورة مشروعًا، ثم يصبح نشرها محل مساءلة قانونية إذا توافرت عناصر النص الجنائي المنطبق، وعلى الأخص عند نشر صور أو معلومات تنتهك خصوصية شخص دون رضاه عن طريق الشبكة المعلوماتية أو إحدى وسائل تقنية المعلومات، وفقًا للمادة 25 من القانون رقم 175 لسنة 2018.

ومن ثم يمكن صياغة القاعدة على النحو الآتي:

مشروعية التصوير لا تستتبع بالضرورة مشروعية النشر؛ فلكل فعل منهما نطاقه القانوني وشروط مشروعيته، والعبرة في النهاية بمدى احترام كل منهما للحقوق والحريات التي كفلها الدستور وحماها القانون.

وهكذا يقف الحق في التصوير عند الحد الذي يبدأ عنده اعتداء غير مشروع على حق آخر، وفي مقدمة هذه الحقوق حرمة الحياة الخاصة.

كتب : عمر آل سعديه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى