
دموع لا تريد أن تنزل: كيف تسمح لنفسك بالحزن؟
بقلم د/ رشا النواوي
هناك حزن يجلس في مكان عميق داخلنا، لا يصرخ، لا يطلب شيئًا، ولا يلفت انتباه أحد.
فقط… يبقى.
نستيقظ صباحًا، نرتب يومنا، نتحدث، نضحك، ننجز ما علينا، ونبدو أمام الجميع بخير.
لكن في مكان ما بداخلنا، هناك شيء لم يعد بخير.
شيء نتجنب الاقتراب منه؛ لأننا نخشى إن اقتربنا أن تنهار كل الأشياء التي نجحنا طويلًا في إبقائها متماسكة.
وربما لهذا السبب لا تنزل الدموع.
ليس لأننا لا نحزن…
ولكن لأننا تعلّمنا كيف نؤجل الحزن.
أجلنا دمعة لأن هناك من يحتاجنا.
وأجلنا وجعًا لأن الوقت لم يكن مناسبًا.
وأجلنا اعترافًا لأننا اعتقدنا أن علينا أن نكون أقوياء.
حتى أصبح التأجيل عادة…
وأصبحنا لا نعرف كيف نقول لأنفسنا ببساطة:
أنا متعب… وأحتاج أن أحزن قليلًا
وهنا أريد أن أسألك سؤالًا مختلفًا:
مَن قال إن الحزن عكس القوة؟
ربما نحن بحاجة إلى إعادة تعريف القوة.
القوة ليست أن تبتلع دمعتك كل مرة.
وليست أن تبتسم بينما قلبك يطلب منك أن تتوقف قليلًا.
القوة أحيانًا أن :
تعترف هذا آلمني او هذا خذلني.
هذا الفقد ما زال يؤلمني.
وأنا لا أحتاج الآن إلى نصيحة… أحتاج فقط أن أسمح لنفسي بأن أشعر.
فالمشاعر التي نمنعها من التعبير لا تختفي بالضرورة.
قد تتغير طريقتها فقط في الظهور.
ولهذا، لا تسأل نفسك دائمًا:
كيف أتخلص من حزني؟
جرّب أن تسأل:
ماذا يريد هذا الحزن أن يقول لي؟
ربما يخبرك أنك فقدت شيئًا عزيزًا.
ربما يخبرك أنك كنت تعطي أكثر مما تستطيع.
وربما لا يخبرك بأي شيء على الإطلاق…
ربما هو فقط حزن، ويحتاج منك أن تعيشه بسلام حتى يهدأ.
وهذه نقطة أؤمن بأهميتها جدًا:
ليس كل ألم يحتاج إلى حل فوري.
بعض الآلام تحتاج إلى وقت.
وبعضها يحتاج إلى حضن.
وبعضها يحتاج إلى كلمة صادقة.
وبعضها يحتاج إلى جلسة طويلة مع نفسك، بعيدًا عن الضوضاء، بعيدًا عن محاولات التظاهر بأن كل شيء بخير.
لذلك…
إذا جاءت دموعك، دعها تأتي.
وإذا لم تأتِ، فلا تجبرها.
اجلس مع نفسك.
اكتب.
تحدث.
صلِّ.
امشِ قليلًا.
استمع إلى ما يدور بداخلك.
وإذا وجدت أن الحزن أصبح أثقل من قدرتك على احتماله، فلا تعتبر طلب المساعدة ضعفًا.
فالاستعانة بالآخرين ليست إعلانًا عن عجزنا، بل اعتراف بأننا بشر.
وأريدك أن تتذكر شيئًا آخر…
لا تجعل حزنك يتحول إلى هوية.
أنت لست حزنك.
أنت الإنسان الذي مر بالحزن.
وهناك فرق كبير بين الاثنين.
قد تكون مكسور الخاطر اليوم، لكن هذا لا يعني أنك ستبقى كذلك.
قد تكون مرهقًا الآن، لكن التعب ليس نهايتك.
وقد تكون عيناك عاجزتين عن البكاء…
لكن قلبك يستطيع، مع الوقت، أن يتعلم كيف يخف حمله.
فلا تخجل من دمعة، ولا تخجل من احتياج، ولا تخجل من لحظة ضعف عابرة.
كن رحيمًا بنفسك…
لأنك في كثير من الأحيان تكون الشخص الوحيد الذي يعرف تمامًا كم تحملت، وكم مرة ابتسمت وأنت لم تكن بخير، وكم مرة قلت «أنا بخير» فقط لأنك لم تجد وقتًا لتشرح أنك لست كذلك.
وفي النهاية…
ربما لا تكون الدموع هي التي تحتاج أن تنزل…
ربما الذي يحتاج إلى أن يسقط هو ذلك القناع الذي ارتديناه طويلًا كي نظهر أقوى مما نحن عليه.
وحين نسقطه…
قد نكتشف أن وراء الحزن قلبًا ما زال قادرًا على الحب، وعلى الأمل، وعلى البداية من جديد.
فاسمح لنفسك بالحزن…
لكن لا تسمح للحزن أن يقنعك بأن الحياة انتهت.





