
مصر بين الأمس واليوم: صعود الأمم وسقوط الضمائر
متابعة : سارة العبد
مصر بين الأمس واليوم: صعود الأمم وسقوط الضمائر ، قال محمد عبد المجيد هندي، رئيس المجلس القومي للعمال والفلاحين تحت التأسيس : “من يتأمل حال العالم في الوقت الراهن، سيشعر بدهشة عظيمة. الأمم من حولنا تتقدم بخطى ثابتة نحو المستقبل، وبعض الدول التي لم يكن لها تاريخ يُذكر أو مكانة واضحة بين نظيراتها، نجحت في أن تصنع لنفسها مكاناً مرموقاً بين الكبار. هذه الدول استفادت من طاقاتها الكامنة، وحشدت مواردها، ووضعت كل فرد في المكان المناسب الذي يستطيع أن يبدع فيه. فكانت النتيجة أن أصبحت تلك الدول نماذج تُحتذى، يُشار إليها بالبنان في مختلف المجالات، وها هي اليوم تتصدر قوائم الدول المتقدمة.”
وأشار هندي: “لقد استطاعت هذه الدول أن تحطم القيود التي كانت تعيقها وتمنعها من التقدم. لكنها لم تحقق ذلك بالتمني أو الاعتماد على مجد قديم أو تراث بالٍ. بل اتخذت من العمل الجاد والمستمر، والإصلاح الشامل منهجاً. وحدت صفوف أبنائها، وجهت كل فرد حسب قدراته، وخلقت بيئة تحترم المبدعين وتدعم الكفاءات. أما إذا نظرنا إلى حالنا في مصر، فسوف نجد أننا ما زلنا أسرى الماضي، نفتخر بتاريخ عظيم صنعه الأجداد، ولكننا فشلنا في صناعة حاضر يليق بهذا الإرث. ما زلنا نعيش على أطلال ذلك الزمن حين كانت مصر منارة للعلم والفكر، ومقصداً للمفكرين والقادة من جميع أنحاء العالم.”
وأردف قائلاً: “نحن اليوم نقف في مؤخرة الركب، بينما غيرنا من الأمم يتقدم بخطى سريعة نحو المستقبل. أصبحنا نتحدث عن أمجاد الماضي في وقت تتزايد فيه الفجوة بيننا وبين العالم المتقدم. العالم الذي كان يتطلع إلى مصر كقائدة ورائدة، بات ينظر إلينا الآن كرمز للتخلف والرجعية. يُشيرون إلى مصر، لكن ليس إعجاباً بما كانت عليه، بل تأسفاً على ما أصبحت عليه”.
أسباب التراجع: ضياع الكفاءات وهيمنة الفساد
ثم أوضح هندي أن تأخرنا وتراجعنا لا يأتي من فراغ، بل هناك أسباب عميقة وراء هذا الواقع المحزن. وقال: “لو أمعنا النظر في سبب تأخرنا عن ركب التقدم، لوجدنا أنه يرجع إلى سببين أساسيين:
السبب الأول: ضياع الكفاءات وتغييب أصحاب المهارات عن مواقعهم الحقيقية. لقد أصبح معيار الاختيار في كثير من المناصب والمؤسسات يعتمد على العلاقات الشخصية والمصالح الضيقة، وليس على الكفاءة أو العلم. هؤلاء الذين باعوا ضمائرهم وأفقدوا المجتمع فرصة الاستفادة من عقول وأيدي أبنائه المخلصين، هم من يتحملون مسؤولية تعطيل مسيرة التقدم. كيف يمكن لأمة أن تتقدم إذا كان من يقودها هم الأقل علماً وخبرة، بينما تُغلق الأبواب في وجه أصحاب العقول والقدرات؟ إنهم يضعون الناس في غير مواضعهم، يعطلون إمكاناتهم، ويدمرون ما تبقى من فرص للنهضة”.
وأكد هندي: “من سنن الله في خلقه أن الناس مختلفون في قدراتهم وإمكاناتهم، فما يستطيع البعض فعله، يعجز عنه البعض الآخر. ولكن عندما تُسد أمامهم الأبواب، وتُهدر طاقاتهم في مواقع لا تناسبهم، يفقد المجتمع كفاءاته الحقيقية. هؤلاء الذين يضعون غير الأكفاء في مواقع القيادة، ويهمشون الموهوبين والمبدعين، يدمرون الوطن بخيانة ضمائرهم”.
ثم أضاف: “إن قدرة المجتمعات على التقدم والازدهار مرتبطة بقدرتها على استثمار طاقات أبنائها في المجالات الصحيحة. إذا كان المبدع مكانه غير المناسب، فإن الإنتاج يتعطل والتقدم يتراجع. وهذا للأسف ما نراه في مصر اليوم”.
الرشوة والمحسوبية: سرطان ينخر في جسد الأمة
السبب الثاني: هو تفشي الفساد والمحسوبية والرشوة في كافة مفاصل الدولة. يقول هندي: “ما نشهده اليوم هو حالة من الفساد المتجذر في العديد من مؤسساتنا. لم يعد المعيار لتوظيف العامل أو الموظف هو الكفاءة أو الجدارة أو العلم، بل أصبحت الوساطة والمحسوبية هي التي تسيطر على الأمور. أصبح من الطبيعي أن يُعين في الوظائف من له علاقة أو صلة أو يملك المال الكافي لدفع الرشوة، وليس من يملك القدرة والكفاءة للقيام بالعمل المطلوب. هذه الممارسات ليست مجرد أخطاء فردية، بل هي خيانة للوطن وخيانة لثقة الناس”.
وتساءل هندي بحرقة: “ألا يدرك هؤلاء الذين يتلاعبون بمصير أبناء الوطن ويمنحون الفرص بناءً على الواسطة والمحسوبية أنهم بذلك يخونون الوطن؟ إنهم يُساهمون في إضعاف المؤسسات وتدمير الكفاءات. فلا يمكن أن نحقق أي نهضة أو تقدم في ظل انتشار هذه الظواهر. بدءاً من رؤساء مجالس الإدارات، إلى أرباب الأعمال، إلى المسؤولين في أعلى مستويات الدولة، كل من يشارك في هذه الممارسات يتحمل مسؤولية ما وصلنا إليه”.
الرشوة والمحسوبية خيانة للوطن: رسائل إلى المسؤولين
ووجه هندي رسائل تحذير للمسؤولين قائلاً: “أريد أن أوجه رسالة لكل من يتقلد منصباً أو مسؤولية في هذا الوطن. إن توظيف شخص بناءً على الواسطة أو المحسوبية أو الرشوة، بدلاً من الكفاءة والجدارة، هو خيانة لله وللوطن. يجب أن نتذكر أن هذه البلاد أمانة في أعناقنا جميعاً، وعلينا أن نعمل على أن تسود العدالة، وأن نعيد للضمير مكانته. فلا أمل في نهضة أو إصلاح ما لم نضع أصحاب الكفاءات في أماكنهم الصحيحة. وأذكّر الجميع بأن تاريخنا العظيم لن يشفع لنا إذا استمررنا في تهميش المبدعين وفتح الأبواب أمام أصحاب المصالح الشخصية”.
نحو مستقبل أفضل: العودة إلى القيم والمبادئ
وأكد هندي في نهاية حديثه أن الأمل في مستقبل أفضل ما زال قائماً، ولكنه يعتمد على مدى استعدادنا للتغيير. وقال: “نحن نحتاج إلى ثورة حقيقية في الفكر والممارسة، ثورة تستعيد الضمائر والقيم. علينا أن نضع كل فرد في المكان الذي يناسب قدراته. علينا أن نقف في وجه الفساد بكل أشكاله. كلما تراجعنا خطوة عن هذه القيم، كلما زاد تراجعنا عن ركب الحضارة.
إن الشعوب التي تقدمت لم تكن أفضل منا، لكنها اتخذت من العلم والعمل والإصلاح طريقاً لها. نحن بحاجة ماسة إلى قيادة تعيد ترتيب الأوراق، وتعيد بناء المؤسسات على أساس من العدل والجدارة، لكي نستعيد مكانة مصر التي تستحقها بين الأمم. مصر كانت وستظل عظيمة، ولكن علينا أن نكون على قدر هذه العظمة.”
هكذا اختتم هندي حديثه، مؤكداً أن ما نحتاجه ليس فقط شعارات وأحلام، بل عمل جاد ومستمر، وروح جماعية تعيد للأمة مجدها الذي تستحقه، بعيداً عن كل مظاهر الفساد والمحسوبية التي تعيق التقدم.






