وحكايات أمي عن جارتنا التي أنجبت توأماً ومن المحتمل أن روح أحدهم تحوم في المحيط
وهو نائم وتتلبس قط راح يموء كطفل يبكي ..
ذاك الصوت الذي أورثني خوفاً تنامى كلما تركتني أمي لتحتضن أبنها فرحة سنين الانتظار بعد ان كانت لا تنجب إلا أناثاً ..
كنت لا أعرف سواها يمكن أن يحمي الملاك بداخلي من وحش الخوف الذي يقتات على ارتعاشتي كل ليلة ..
وصار يقيني يتنامى انها لن تأتي لتنقذني أبداً ..
وتلك كانت أول ملامح الخوف التي نمت في أحشاء عالمي ليولد مخلوق يجسم على أفقي و يبتلع المسافة بيني وبين الأرض وكأنما هناك حروف تحوم حول مخيلتي ولا أحوز منها شئ يدلني علي ..
لم يكن عالمي غنيا بالشخصيات .. فقد كنا من سكان مدينة صغيرة نعيش كطيور الزينة في أقفاصها .. ننظر من فراندا بيتنا من خلف قطبان القفص على العالم الخارجي ..
والطير الحبيس لا يغني ..كانت الفرندا هي شرفتنا الوحيدة على الحياة من وراء حجاب ..
كنت أنظر للأطفال حافي الأقدام الذين يكدون لكسب قوت يومهم أحياناً وتزداد حيرتي ..
من منا تعاسته أقوى على جعل الملاك داخله يختنق..
وكيف سيكون عالم نحن كنا أطفاله ..
تحولت منذ طفولتي لأم بقلب بحجم السماء ..
صرت محور البيت والأهل دينامو مشاعر وطاقة عطاء لا تنضب ..
وكأني أعوض غياب مشاعر أمي بأن أستولد من قلبي أمهات بعدد البشر حولي ..
ولكن المسافة بيني وبين البشر كانت تتكاثر كل يوم وكأنما ليس لي مكان على الأرض ..
وصرت مولعة بالأشياء الغامضة التي تشبه طلاسم عالمي وغربتي عنه ..
كنت أرى المدرسة شرفة ثانية كفرندا بيتنا ..
أطالع منها صنوف البشر وأرصد ملايين الرموز في ملامحهم وانفعلاتهم ومشاعرهم ..
البشر لا يختلفون عن الحيوانات التي أراها كلهم يمارسون نفس الأطماع ..
ولكن بوجهة نظر مختلفة .. كانت سرعة ضربات قلبي تحرمني لعب( الاستغماية ) مع زملائي لأمارس مهارة الرقض والهرب ..
فالعالم جدير بنا الهرب فيه دوما كي نجد لنا مخرجا ..
كان صوت عفاف راضي أشبه بالبساط السحري يحملني دوما لعالم ياسميني طالما كنت أخاله في مكان ما بالسماء وأؤمن أني أنتمي له لا للأرض .
وصار الجمباز والقفز فوق الحصان الخشبي يعزز شعوري بالتحليق ..
مهما اعترض قلبي بسرعة ضرباته .. وتأتي ابتسامة ذاك الولد التي أحبها كلما رفع رأسه لي في الفراندا وكأنما يعكس وجه ذات بريق للحياة على عيوني ..
وكأنما كان يعرفني من المهد فصارت عيوني توشم ملامحه بي ..
لأتعرف عليه حين أكبر وأجده في عالم ما .. كل شئ حولي يمنحني قلقا خاصا ..
ذاك البيت المخيف في آخر الشارع ..
المدرسة البعيدة ومسيرتي لها كل يوم محملة بملامح العابرين ..
طعم الحرمان وكأني يتيمة في وجود أمي .
المواء هو خليط مرعب بين الروح الشريرة وقط شرس .
وجاء ذات يوم صوت شقشقة العصافير يوقظ قلبي المفعم بالفرح ..
اليوم سنسافر فجرا عند خالي بالقاهرة ..
كان بيته يحمل رائحة مختلفة أكثر حميمية ودفئاً من بيتنا ..
الحياة أبسط ولها مذاق حلو .. وظل عالمي المحدود لايشبع ذاك الشغف داخلي للمعرفة ..
فهل هذا القلق هو هاجس الكتابة ،وهل الكتابة توجد ذاك الحدب المبهم لتخلصني من هذا الصلب بين الأرض والسماء ..
صرت أبحث عن مفهوم لسرد العالم من خلال الذات في الشعر ..
قرأت لبيرم التونسي ولكن لم تروق لي جرأة بعض ألفاظه .. وأرهقتني ضبابية كافكا ..
ولكن أزهرت بعض مسافاتي مع محمود حسن إسماعيل ومحمود درويش ونزار ..
كنت دوما أرى الشعر ذلك الطلع المقدس لنبتة لا تزهر إلا في أرواح العارفين الأنقياء ..
لكن لا أستطيع أن أكون شاعرة وأقبض جناحي بين قوافي القصيدة العمودية ..
ومن هنا تنامى توجهي إلى( قصيدة النثر ) نعم هي التي لاتقلص شهوتي المتجددة للتحليق . لم أكن ارى الاشياء مرتين أبدا ، الكون الأشخاص الجمادات ..
وهكذا كان العالم دوما بكراً .. كنت أحب رائحة الفاكهة التي يتفنن والدي في انتقاءها ..
كانت تستهويني تلك الرائحة وتستدرجني لغابات وأدغال تطوف برأسي حياوات أٌخر ..
منذورة أنا للتطواف أبعد من تلك العوالم الأرضية . سندباد يأخذني معه برحلاته وحوريات البحر تلك المخلوقات التي ينتمى لها بعضي وأنا أجوب البحار كاستكمالاً لدمج العوالم في رحلتي المتجددة لذاتي .. فتلك الأشياء تمنح روحي طزاجة دائمة ..
فالطفلة المتألقة داخلي تختزن نبض الكون بي ..
آوي إليها لأحصل على بعض الإجابات دون زيف أو شوائب ..
لم تكن قسوة أمي التي اعتنقتها إلا سوطا يجلدني ..
لتربي أربع فتيات على يقينها .. بأن الذكور هم البشر الحقيقيون ،وأن الإناث لا فائدة منهن إلا لخدمتهم والاعتناء بهم .. لم تدعني يوما أعرف إجابة سؤالي ..
لم لا تفصح عن حنانها لتنهي معاناتي وخوفي بدونها ! وأورثتني دموعا تلمع في عيني عمراً كلما جدت بالحنان الجم الذي كنت أمنح للجميع ..
وكأنني أنوح بداخلي من حرمان عكست ملامحه كي لا يمر بي محروم وأراني فيه ..
الأرض والمطر ورائحة الحياة تخرج من ولادة كونية ويلعب الاطفال ويقفزون بالنيابة عني وأنا هناك في الفرندا غير مسموح لي بأن أمارس تلك الأشياء العبقة برائحة الحياة ..
ومع غياب أمي عن دورها صرت طفلة تجر قلب بحجم السماء . مراهقتي كانت مع القمر وحسب وكل أحلامي الوردية خطت بضوئه ..
ومازل ذاك الخواء العاطفي يعتصرني فاسيل وأوزعني حبا يروي دون حدود ..
وكانت الجامعة شرفة جديدة ولكنها تشبه فراندا بيتنا .. من حيث الناظر من خلالها ..
فمازلت أوثق كل الآتي من وراء حجاب ..
هل الكتابة تورطك في أبعاد تزيد ذلك التشتت المتنامي داخلك أم أنها حدب يقلصه ، وهل الكتابة تحرر من الألتصاق بالأشياء ..
أم أنها حرية لا تقترف فيها آثام القيد والواجب . وصار اعتراك الحرف وذاتي الشاعرة يزيد توجسهما من التلاقي معا والإفصاح عن علاقتهما ..
وحقيقتها أو هلاميتها . وجاء وحش الخوف هذه المرة يجر خلفه تابوت الموت ويحتجز فيه أختي ..
وأنا أصرخ بلا حنجرة فيرتد صوتي لجوفي وينفجر دونما ضجيج..
لم أفهم وقتها ماهية الحياة لأعي كيف يكون الموت ..
ومن منهما يمنحنا الوقت لنستكين ونجد ذواتنا الهائمة ..
وتوشحت أمي فوق قسوتها بوشاح الحزن فصارت الظلمة ظلمتين . وكبرت يا أمي وتحررت من قيدك .. ولكنك مازلت تحتجزين أنفاسي المرتعشة على وسادتي بجوار الخوف الذي يخنق مسافات الرقض ليبقي قلبي المجهد بدقاته المتسارعة موصولا بصوت مواء القطط . صرت فراشة بعيون واسعة وشعر أسود ليل متدلي حتى قرب ركبتي ..
وقلب لا يؤمن سوى بالنور والنقاء .. صرت ملائكية الأحلام وأرتفعت أكثر وابتعدت أكثر ..
كل ذاك الركام أحجية بلا ملامح أحاول أن أصوغها فتهرب لمتاهة لا أجيد التعامل معها ..
رائحة الأرض والمطر المعلمة الغليظة التى كنت اتجنبها النادي صوت فايزة أحمد أغاني الغربة التي يجلبها أبي الطبلاوي وسورة الرحمن الصوت الفيروزي الآتي من السماء عيوني أمي التي أنكرتني خالتي الحنون عبد الباسط وسورة ياسين العمال والتحرش الحقد المتبادل بين أبي وأختي غير الشقيقة اللحاف القطن اللعين الذي كان يطبق على أحلامي فيدهسها ضربات قلبي المتسارعة وكأنما تصارع الوقت كي أكبر أسرع مواهبي المتعددة في شتى مجالات الفنون والأشغال والتي لم أكمل شئ منها .. انتقالنا لعمارة والدي الجديدة ..
تغير المحيط الوجداني وودعت الفراندا ، والولد صاحب الابتسامة وعيونه التي تعرفني .. هذا البيت لا أعرفه ولا أجيد الانتماء له ..
كل ماأذكره رائحة الأغنام التي كانت تبيت في أرض فضاء أمام عمارتنا ..
تلك الرائحة التي محت لون البنفسج المتدلي بحزنه على ضفاف النيل ..
واختفى النيل .. واختنقت فراندتنا الجديدة بعوادم السيارات ..
تلك الفراشة الخمرية .. بسيطة الملامح ..( البمبونة صعبة الكسر ) كما أطلق عليها في الجامعة .. أو الملاك الهائم كما نعتتها بنات المدينة الجامعية ..
مازالت أطالع كل شئ من مسافة وصارت موسيقى موتزارت وعزف عمر خيرت محمود حسن أسماعيل والنفري كتاب مسخ الكائنات هم فقط من اجتازوا المسافة ..
كنت دوما أسأل لماذا تسكنني بعضا من أرواحهم ..
هل مأساتي الحقيقية أني نسخة مزيفة مني! ..
وهل الحروف سبيلي كي أعرف حقيقتي ! ولكن ليست لدي رغبة في أصلاح العالم لكن لدي شغف لتجميله .. كان يتملكني دوما ذلك الوصل السماوي وأني منذورة للنور لا للعيش وسط أوحال البشر .. ومن هنا كانت القصيدة النثرية وماتمثلته من مساحة للرقض والتحليق كانت تناسب أجنحتي ونمو ريشاتها .. برغم ما أثير حولها من جدل ..
لم أتجه أبدا صوب القصيدة العمودية رغم أني كنت أرى في نسق الأبحر والقافية أعجوبة بشرية . أدركت أن كل علوم الكون هي مجرد أداة من ضمن أدوات الكاتب ..
وأن الكتابة تجرد وتحلل وانطلاقة بالذات محملة بالتجارب والتبصر والرؤية الخاصة بألوان جديدة مبتكرة وإعادة تركيب الأشياء بمخيلة شغوفة دوما ومذهلة التجدد ..
وأن تلك الصلة التي تنشأ بين الكاتب والقارئ حين التلاقي لابد أن تكون بألوان غير اعتيادية للأشياء الاعتيادية . وكانت الغربة محطتي الحقيقية مع الكتابة ..
حياة ومكان جديد .. ووجوه متشحة بالغربة يجمعها الاغتراب لكن دون ترابط ..
وكانت أول قصيدة لي حقيقية .. عن هؤلاء العمال الذين طالعتهم من السيارة وهم يتراصون على قارعة الطريق ينتظرون رزقهم .. تثقل أقدامهم صلادة الأسفلت اللافح وتلك النظرة الرمادية في عيونهم التي تلاشى فيها اللون مغادراً إلى أوطانهم التي أنكرتهم ..
مشدوهة عيونهم صوب مستقبل لايروق لأحلامهم ولكنه يرتق فجوات الفقر الضالعة في أعمارهم .. وظللت اكتب لأدراجي التي ضجت بحملها ..
وكان أول من دفع بي للنشر وامتهان الكتابة زوجي الشاعر والمثقف الذي كان له الفضل في أن أتجاوز حاجز الأدراج وأفرج عن قصائدي ..
أردت دوما أن أكون نفسي في الكتابة فهي وسيلتي لصوغ العالم حولي من خلال مشكاتي والسمة النورانية في إدراكي للأشياء والسعي لخلق ذاك الجسر المنشود بين السمات الإنسانية التي خلق الله بها البشر وبين إدراكهم لها من خلال الكلمات التي تجسمها وتمنح القارئ فرصة أن يلمسها . وما مثل صدمة حقيقية لي كادت توقف مسيرتي في الكتابة اكتشافي أن الكثير من الكتاب يبدعون في ما لا يؤمنون به ..
وصارعتني تلك الأسئلة .. هل الكتابة مقدسة ؟ هل لابد أن نكتب ذواتنا ؟ هل القيم هي التي تحكم عالم الكتابة أم أنها ضرب من النفاق الكلامي ؟ ولكن مخزوني الشعوري وعلاقتي الاستبصارية مع الله أجلت لي حقيقة كانت سمّتي الخاص في مسيرتي ككاتبة ، فالنور هو حقيقة الأشياء ولولا حقيقة الأشياء لصار العالم هلامي ..
وأن مقومات الكتابة لابد وأن تشتمل على تلك القدرة في استبصار الكون وإعادة الصياغة بشكل مبهر ، والبعد عن اللغو والهبوط لمستوى الثرثرة ، كذلك أن يكون للكاتب أساس من المعلمين يستند إليه ..ويشعر بالامتنان لدروسهم وللمقدرة على الاختلاف والتجدد .
فأنا أدين ليس للكثيرين ولكن لي أساس من المعلمين استندت إليه ..
محمود حسن إسماعيل محمد الماغوط كافكا ، موتزارت ، النفري ، نجيب محفوظ .فان جوخ ، آلباتشينو ، فاتن حمامة ،أنتوني كوين ، العقاد ، فرقة باليه البلشوي الروسي ، محمود درويش . أنا من سلالتهم ، ولي نفس هواجسهم ولدي بعض من عوالمهم . وكي يكتب الأنسان نفسه ويرى الأشياء في عيون الآخرين ..
لابد وأن تسمح لنفسك بخوض مجموعة من التجارب وان تمنح الكتابة براح الرؤى ..
فالكتابة لا تغضب منك حين تمارس أخطائك ولا تراقبك وأنت تكتب حقيقتك ، ولا ترفضك حين تمارس طقوسك ويقينك ..
وهكذا يكون البشر الحقيقيون يمنحون بعضهم مساحات لا محدودة ليمارسوا تجاربهم التي هي ذواتهم .متى كنت شاعرة ..