تُعد حرب أكتوبر 1973 إحدى اللحظات الفاصلة في التاريخ العربي المعاصر، إذ أعادت للأمة العربية ثقتها بنفسها بعد هزيمة 1967، وأثبتت أن الجيش المصري قادر على تحطيم ما اعتُبر يومًا “خطًا لا يُقهر”.
لكن السؤال الافتراضي الذي يشغل كثيرين هو:
ماذا لو لم يمت الرئيس جمال عبد الناصر عام 1970؟
هل كانت مصر ستخوض حرب أكتوبر؟
وهل كانت ستحقق نفس النصر الذي تحقق في عهد أنور السادات؟
—
أولًا: الموقف العسكري والسياسي في نهاية عهد ناصر
عقب نكسة يونيو 1967، ترك ناصر دولة مثقلة بالجراح:
جيش منهك فقد معظم معداته، واقتصاد يعاني الحصار، وشعب جريح لكنه متمسك بالأمل.
وفي تلك الفترة بدأ ناصر حرب الاستنزاف (1968–1970) التي كانت بمثابة مدرسة قتالية جديدة للجيش المصري، ومهدت فعليًا لحرب أكتوبر.
إلا أن هذه الحرب كانت محدودة الهدف، تسعى لاستنزاف العدو وإعادة الثقة، لا لعبور القناة أو تحرير سيناء دفعة واحدة.
—
ثانيًا: أسلوب عبد الناصر في إدارة الأزمات
جمال عبد الناصر كان زعيمًا صاحب كاريزما قومية جبارة، لكنه في الوقت نفسه حذر في قراراته العسكرية.
كان يعتمد على الخطاب السياسي لتعبئة الشعوب، وعلى الاتحاد السوفيتي في التسليح والدعم الاستراتيجي.
لذلك من غير المرجح أنه كان سيخوض حربًا شاملة من دون موافقة موسكو، خصوصًا وأن السوفيت في ذلك الوقت كانوا يرفضون أي مغامرة كبرى قد تؤدي إلى مواجهة مباشرة مع أمريكا.
—
ثالثًا: الموقف الدولي لو استمر ناصر
لو استمر ناصر في الحكم حتى 1973، لكانت مصر ما زالت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالمعسكر الشرقي.
الاتحاد السوفيتي كان سيضغط لتجميد الموقف عند حدود حرب استنزاف طويلة، دون عبور فعلي للقناة.
بينما الولايات المتحدة كانت ستواصل دعم إسرائيل بلا حدود، ما يجعل ميزان القوى يميل ضد أي محاولة تحرير شاملة.
بعبارة أخرى:
الوضع الدولي لم يكن ليسمح بحرب أكتوبر في شكلها الذي حدث فعلاً.
—
رابعًا: سيناريو الحرب في عهد ناصر
لو قرر عبد الناصر العبور رغم التحفظ السوفيتي، كان الهجوم سيجري على نطاق محدود.
الجيش المصري ربما كان سينجح في عبور جزئي لمسافة 10 إلى 20 كيلومترًا شرق القناة،
ثم تتدخل القوى الكبرى لفرض وقف إطلاق النار السريع.
في تلك الحالة، كانت سيناء ستظل محتلة جزئيًا، وتتحول إلى منطقة نزاع طويلة المدى مثل الجولان السوري.
وبذلك، كان ناصر سيحقق نصرًا معنويًا لا ميدانيًا، يرفع الرأس لكنه لا يحرر الأرض كاملة.
—
خامسًا: الفرق بين ناصر والسادات
أنور السادات امتلك شجاعة القرار المنفرد، وخرج من عباءة الاتحاد السوفيتي، واتخذ قرار الحرب رغم الرفض الدولي.
كان يعلم أن مصر لن تسترد سيناء بالمفاوضات، وأن ضربة محدودة ومدروسة قد تغيّر المعادلة.
أما ناصر فكان يؤمن بالوحدة العربية وبالعمل الجماعي، وكان من الممكن أن يؤجل الحرب انتظارًا لتنسيق شامل مع سوريا والعراق والجزائر،
وهو ما كان سيؤدي غالبًا إلى ضياع عنصر المفاجأة.
—
سادسًا: الخلاصة
في ضوء المعطيات التاريخية والسياسية والعسكرية، يمكن القول إن:
1. حرب أكتوبر بالشكل الذي عرفناه لم تكن لتقع في عهد عبد الناصر.
2. التحرير الكامل لسيناء كان سيُؤجل لسنوات وربما لعقود.
3. العلاقة مع الاتحاد السوفيتي كانت ستقيد القرار المصري.
4. سيناء كانت ستبقى منطقة نزاع أو تحت الاحتلال جزئيًا.