
مؤتمر أدباء مصر في العريش: أسئلة مشروعة حول التنظيم والعدالة الثقافية
حسن غريب أحمد
ناقد روائي شاعر
أُقيم الجمعة 26/12/2025م افتتاح مؤتمر أدباء مصر بمدينة العريش في أجواء شابها قدر واضح من الارتباك التنظيمي، حيث امتد الانتظار لأكثر من ثلاث ساعات، وجاءت مراسم الافتتاح محدودة الحضور والتمثيل، مع غياب عدد من القيادات المعنية بالعمل الثقافي والتنفيذي وزير الثقافة ومحافظ شمال سيناء ورئيس المؤتمر ، الأمر الذي انعكس على الزخم الرمزي الذي يُفترض أن يصاحب حدثًا ثقافيًا بهذا الحجم، خاصة في محافظة ذات خصوصية وطنية وثقافية مثل شمال سيناء.
وقد تواصلت الملاحظات التنظيمية خلال أول يوم من المؤتمر، من بينها تأجيل محور التكريم إلى اليوم الأخير، وهي خطوة غير معتادة في مؤتمرات أدباء مصر السابقة، حيث اعتاد المؤتمر أن يضع لحظة التكريم في صدارة برنامجه باعتبارها فعل اعتراف بقيمة المبدعين ودورهم.
كما لوحظ اعتذار عدد من الشخصيات الثقافية المشاركة، وهو ما ألقى بظلاله على بعض الجلسات وأثار تساؤلات حول مستوى التنسيق والإعداد المسبق.
إلا أن الملاحظة الأهم، والأكثر حساسية، تمثلت في طريقة التعامل مع أدباء شمال سيناء أنفسهم، سواء فيما يخص الإعاشة والإقامة أو الحقوق التنظيمية المصاحبة للمشاركة.
فقد تم توفير الإقامة والإطعام للضيوف القادمين من المحافظات الأخرى، بينما لم تُوفَّر لأدباء المحافظة، رغم أن عددًا كبيرًا منهم قدموا من مراكز بعيدة مثل بئر العبد ورفح والشيخ زويد ونخل والحسنة، وهي مناطق تبعد عشرات بل مئات الكيلومترات عن مقر انعقاد المؤتمر.
وحتى وفق أدنى معايير الذوق واللياقة الأدبية، وما استقر عليه العرف الثقافي في مؤتمرات أدباء مصر عبر سنوات طويلة، فإن المعيار المعتمد لم يكن يومًا قرب محل الإقامة أو بعده، بل الصفة الثقافية والتمثيل المؤسسي.
كما أن اللوائح المنظمة تنص صراحة على معاملة أعضاء نوادي الأدب، والشخصيات العامة الممثلة عن كل محافظة، معاملة نظرائهم القادمين من خارجها من حيث الإقامة والإعاشة والحقوق التنظيمية، دون تمييز أو اجتهادات فردية.
ومن بين الملاحظات التي أثارت قدرًا كبيرًا من الاستياء أيضًا، طريقة توزيع حقائب المؤتمر وما صاحبها من ارتباك غير مبرر.
إذ جرى توزيع الحقائب في الفندق الذي أُقيم فيه الضيوف القادمون من خارج المحافظة، وهو فندق يبعد مسافة ملحوظة عن مقر انعقاد الندوات بقصر ثقافة العريش.
وعندما تساءل أدباء شمال سيناء عن سبب عدم تسلمهم للحقائب، أفاد الموظفون والموظفات بأن الحقائب موجودة بالفندق.
غير أن العُرف التنظيمي المستقر في مؤتمرات أدباء مصر يقضي بأن يتم توزيع حقائب المؤتمر داخل مقر الندوات نفسه، وتحديدًا في قلب قصر الثقافة المنعقد فيها فعاليات المؤتمر أو نقاط الاستقبال الرسمية، بوصفها مواد عمل ثقافي موجهة بالأساس إلى الأدباء المشاركين، وإلى من كُتبت عنهم أوراق وبحوث داخل المؤتمر.
وقد ترتب على نقل نقطة التوزيع إلى مقر الإقامة عمليًا حرمان عدد كبير من أدباء شمال سيناء من الحصول على إصدارات المؤتمر، لا لغيابهم أو تقصير منهم، بل بسبب انقلاب غير مبرر في آليات التنظيم.
ويعكس هذا التفصيل، على بساطته الظاهرية، صورة أوسع لحالة الارتباك التي سادت، حيث انقلبت الأدوار والمعايير رأسًا على عقب: بات مقر الإقامة هو مركز التوزيع، وبات مقر الندوات خاليًا من أبسط أدوات المشاركة الثقافية، وهو ما يتنافى مع منطق التنظيم، ومع فكرة أن المؤتمر يُقام من أجل الأدباء أولًا، لا من أجل الترتيبات الفندقية.
من هنا، فإن تطبيق معايير مختلفة، سواء في الإعاشة أو الإقامة أو توزيع المواد الثقافية، يفتح باب التساؤل المشروع حول الأساس الذي استندت إليه هذه القرارات، ومدى اتساقها مع اللوائح والسوابق المعمول بها، خاصة أن مثل هذه الإجراءات لم تُطبّق في مؤتمرات عُقدت بمحافظات أخرى.
إن الإشارة إلى هذه الملاحظات لا تهدف إلى التصعيد أو التشهير، بقدر ما تسعى إلى مساءلة ثقافية واجبة، تنطلق من الحرص على قيمة مؤتمر أدباء مصر ذاته، وعلى صورته بوصفه فعالية وطنية جامعة لا تميّز بين مركز وهامش، ولا بين ضيف وصاحب أرض.
فنجاح المؤتمرات الثقافية لا يُقاس بعدد الجلسات أو كثافة الأسماء المشاركة، بل بقدرتها على ترسيخ العدالة الثقافية، واحترام المكان، والاعتراف بأهل الأرض بوصفهم شركاء أصيلين في الفعل الثقافي. وإذا كان مؤتمر أدباء مصر يُقام في شمال سيناء، فإن أولى بديهياته أن يصون كرامة أدبائها، لا أن يضعهم موضع التساؤل أو الاستثناء.
وحدها مراجعة هذه التجربة بصدق ومسؤولية كفيلة بأن تمنع تكرار ما حدث، وتحفظ للمؤتمر قيمته، وللثقافة معناها، ولشمال سيناء مكانتها التي تستحقها في المشهد الثقافي المصري.





