الأسبوع العربيالأسرة والطفلمرأة ومنوعاتمقالاتمنوعات

حين تتحول الأم إلى خادمة في بيتها

حين تتحول الأم إلى خادمة في بيتها

بقلم: نعمة حسن

ليست كل أمٍّ مظلومة بريئة تمامًا من صناعة الظلم الذي وقع عليها.
هذه حقيقة قاسية، لكنها ضرورية.
فكم من أم أفنت عمرها في بيتها، تطبخ وتغسل وتنظف وتخدم، حتى تقدّم بها العمر ووهن الجسد، بينما تجلس بناتها أمام هواتفهن في برود، وكأن تعبها جزء طبيعي من أثاث المنزل، وكأن انحناءة ظهرها لم تعد تستحق حتى سؤالًا عابرًا: هل أنتِ متعبة؟
تدخل ابنتها بعد الزواج إلى بيت أمها، لا زائرةً تحمل عنها تعب السنين، بل كأنها عادت إلى فندق قديم ما زال مفتوحًا بلا حساب.
تأتي بأطفالها، فيملؤون البيت صخبًا وفوضى، ثم تجلس هي مطمئنة، تترك أبناءها لأم أرهقها العمر، لا لأنها مضطرة، ولا لأن أمها عرضت المساعدة لساعات، بل لأنها اعتادت منذ الصغر أن أمها موجودة دائمًا لتخدم، وتتحمل، وتصمت.
الأم تطبخ.
الأم تنظف.
الأم تراقب الأطفال.
الأم تقدم الطعام.
والابنة تأكل وتشرب وتنام وتمسك هاتفها، وكأن كل هذا حق مكتسب لا فضل فيه ولا رحمة.
بل قد يتجاوز الأمر ذلك، فتجد الأم نفسها لا تخدم ابنتها وحدها، وإنما تخدم زوج ابنتها أيضًا، وتوفر لهما من مالها، وتتحمل نفقاتهما، وتسكت عن استغلالهما، ثم تسأل بعد سنوات: كيف أصبحت ابنتي أنانية؟ كيف صار قلبها قاسيًا؟ لماذا لا تشعر بي؟
والجواب المؤلم هو: لأنها لم تتعلم يومًا أن تأخذ بقدر ما تعطي.
لقد أعطتها الأم بلا حدود، حتى علّمتها الأخذ بلا خجل.
دللتها حتى نزعت منها الإحساس بالواجب.
حمتها من المسؤولية حتى كبرت وهي تظن أن كل من يحبها يجب أن يخدمها.
وكانت تظن أنها تصنع ابنةً سعيدة، فإذا بها تصنع إنسانةً لا ترى في الآخرين إلا وظائف تؤدى لها.
الأم التي أسقطت هيبتها بيديها
الأم لا تفقد هيبتها فجأة.
الهيبة تتساقط قليلًا قليلًا، في كل مرة تتنازل فيها عن حقها، وفي كل مرة تتغاضى عن إهانة، وفي كل مرة تضحك على تقليل من شأنها حتى لا تُفسد الجو.
حين تسمح الأم لزوجها أن يحولها إلى مادة للسخرية أمام الأبناء، ولو تحت اسم المزاح، فهي لا تخسر لحظة احترام فقط، بل تزرع في عقول أولادها صورةً كاملة عنها.
يتعلمون أنها الأقل.
أن رأيها قابل للسخرية.
أن كلامها لا يؤخذ بجدية.
أن تعبها واجب.
وأن الاعتراض عليها مباح.
ثم يكبر الأطفال وهم لا يرون فيها صاحبة فضل ولا صاحبة بيت، بل يرونها الخادمة التي تنظف بعدهم، وتطبخ لهم، وتبرر أخطاءهم، وتقبل إهاناتهم، ثم تواصل العطاء.
الابن لا يولد وهو يقلل من أمه.
والابنة لا تولد وهي تستخدم أمها.
لكنهم يراقبون.
يرون الأب يستخف برأيها.
يسمعونه يصحح لها كل كلمة ويحلل كل تصرف ويشعرها بأنها ناقصة العقل والخبرة.
يرونها تضحك وهي مجروحة.
تسكت وهي مهانة.
تعود للخدمة وكأن شيئًا لم يحدث.
فيتعلمون من المشهد لا من الكلام.
ويفهمون أن أمهم لا تستحق الدفاع عنها، لأنها هي نفسها لم تدافع عن كرامتها.
حين يصبح أهل الأم غرباء
الأكثر إيلامًا أن سقوط مكانة الأم لا يقف عند حدود شخصها، بل يمتد إلى أهلها جميعًا.
حين تُغلق الأم حياتها على زوجها وأبنائها، وتقطع الود بأهلها، وتشتكي منهم أمام أولادها في كل مرة، وتخفي عنهم المحبة تارة، وتصورهم عبئًا تارة أخرى، فهي لا تحمي بيتها كما تظن، بل تهدم الجسر الوحيد الذي يصل أولادها بجذورهم.
ثم تمر السنوات، فيكبر الأبناء وهم يرون أهل الأم غرباء.
لا زيارات.
لا مودة.
لا تقدير لكبير.
لا قيام لضيف.
لا شعور بأن خال الأم أو خالتها أو كبير عائلتها له حق الاحترام.
فإذا حضر أحدهم إلى البيت، أمسكت الابنة هاتفها وانسحبت إلى غرفتها، أو جلست في مكانها ببرود تنتظر أمها العجوز أن تقوم بالواجب وحدها.
الغريب أنها في بيتها تعرف جيدًا كيف تستقبل أهل زوجها.
تعرف كيف ترتب المكان.
وتقدم الضيافة.
وتظهر الاحترام.
أما في بيت أمها، فتتصرف كأن البيت بلا حرمة، وكأن الضيف ليس ضيفها، وكأن أمها موظفة استقبال عليها أن تنهض وتخدم الجميع.
والسؤال هنا ليس: لماذا لم تحترم الابنة أهل أمها؟
بل: متى رأت أمها تحترم نفسها وقرابتها أمامهم؟
من أين تتعلم الوفاء وهي لم تر إلا القطيعة والشكوى؟
ومن أين تعرف قيمة الكبير إذا كان حضوره لا يغير شيئًا في سلوك البيت؟
الأبناء لا يحترمون جذورًا رأوا أمهم نفسها تتبرأ منها.
العطاء الذي يزرع الجحود
هناك عطاء يربي الامتنان، وهناك عطاء يربي الجحود.
العطاء الصحي يمنح ويطلب مسؤولية.
يساعد لكنه لا يلغي الآخر.
يحنو لكنه لا يستعبد صاحبه.
أما العطاء الذي لا يعرف حدودًا، فيصنع في الطرف الآخر شعورًا خفيًا بأن ما يأخذه حق طبيعي، وأن من يعطيه لا قيمة له خارج ما يقدمه.
حين تخدم الأم ابنتها في كل شيء، ولا تطلب منها مشاركة، فإنها لا تعلمها الحب، بل تعلمها الاتكال.

حين تتولى أحفادها طوال الوقت دون اتفاق أو تقدير، فإنها لا تدعم ابنتها، بل تعفيها من مسؤوليتها.
حين تعطي المال لابنتها وزوجها باستمرار، بينما تحرم نفسها من الراحة والدواء والكرامة، فإنها لا تصنع أسرة متماسكة، بل تصنع شخصين اعتادا أن يعيشا من استنزافها.
ومع مرور الوقت، لا يعود أحد يرى ما تقدمه فضلًا.
يتحول العطاء إلى واجب.
والتعب إلى شيء غير مرئي.
والمرض إلى إزعاج.
فإذا اشتكت قالوا: أنتِ دائمًا تشتكين.
وإذا رفضت مرة قالوا: لقد تغيرتِ.
وإذا طالبت بالاحترام اتهموها بأنها تصنع المشاكل.
لأنها هي التي دربتهم سنوات طويلة على نسخة منها بلا احتياج، بلا غضب، بلا حدود.
المرأة التي اختفت داخل أدوارها
المشكلة الأعمق أن هذه الأم لم تعد تعرف نفسها إلا من خلال الخدمة.
هي زوجة حين تخدم زوجها.
وأم حين تخدم أبناءها.
وجدة حين ترعى أحفادها.
لكن أين المرأة؟
أين الإنسانة التي لها جسد يتعب، ونفس تمل، وعمر ينقضي، وأهل تشتاق إليهم، وبيت من حقها أن تنفرد فيه بمن تحب؟
لقد ألغت نفسها طوعًا في البداية، ثم أصبح إلغاؤها قانونًا مفروضًا عليها.
في كل مرة فضّلت رضاهم على كرامتها، خسرت جزءًا من صوتها.
وفي كل مرة صمتت عن إهانة، أعطتهم تصريحًا جديدًا بتكرارها.
وفي كل مرة أخّرت نفسها إلى آخر الصف، أقنعتهم أنها بالفعل يجب أن تبقى هناك.
حتى صارت غريبة في بيتها.
لا يحق لها أن تستقبل أهلها براحة.
لا يحق لها أن تغلق بابًا لتستريح.
لا يحق لها أن تقول: اليوم لن أطبخ.
لا يحق لها أن ترفض بقاء الأطفال.
لا يحق لها أن تعترض على مزاح يجرحها.
ثم ينظر الجميع إلى حزنها على أنه سوء مزاج، لا نتيجة عمر كامل من المحو.
الزوج الذي أفنت عمرها معه
أما الزوج الذي عاشت معه عقودًا، وتحملت من أجله ضيق الأيام وثقل البيت وتربية الأبناء، فقد يكتشف في شيخوختها أنها فقدت بريقها، فيعاملها كأنها صارت أقل.
يعلق على شكلها.
يستخف بعقلها.
يمزح على حساب كرامتها.
يقارنها بغيرها.
يشعرها أنها لم تعد مواكبة ولا جميلة ولا ذات رأي.
وكأن السنوات التي أكلت صحتها لم تكن في خدمته وخدمة بيته.
والمأساة أن بعض الرجال لا يفعلون ذلك وحدهم، بل يفتحون الباب للأبناء كي يشاركوا في المزاح السخيف نفسه.
فيضحك الجميع.
وتضحك الأم كي لا تبكي.
وهنا لا تكون الإهانة في الكلمات وحدها، بل في الرسالة التي تصل إلى الأبناء: أمكم ليست مقامًا يجب أن يصان، بل شخصية يمكن أن نضحك عليها.
فكيف سيحترمونها بعد ذلك؟
وكيف سيخشون حزنها؟
وكيف سيقدرون أهلها أو تاريخها أو تعبها، وهم يرون الرجل الذي عاش عمره معها يقلل منها أمامهم؟
ليست الضحية وحدها
ومع ذلك، لا يكفي أن نقول إن الأم ضحية.
فالضحية قد تكون بريئة من الحدث، لكن هذه الأم شاركت أحيانًا في بناء القفص.
هي التي سكتت طويلًا.
هي التي بالغت في الخدمة.
هي التي ساوت الحب بالتضحية المطلقة.
هي التي أغلقت حياتها على زوجها وأبنائها.
هي التي أسقطت قيمة أهلها أمام أولادها بالشكوى المستمرة والقطيعة.
هي التي لم تعلم أبناءها أن لها وقتًا ومالًا وراحة وخصوصية.
هي التي لم تقل لهم يومًا: أنا أمكم ولست خادمتكم.
وهذا لا يبرر قسوتهم، لكنه يفسر كيف وصلوا إليها.
فالحدود التي لا نضعها في البدايات، ندفع ثمن غيابها في النهايات.
كيف تستعيد الأم مكانتها؟
لن تعود مكانة الأم بالبكاء ولا بالعتاب المتكرر، بل بإعادة بناء نفسها.
أن تتوقف عن الخدمة التلقائية.
أن تطلب المشاركة بوضوح.
أن ترفض رعاية الأحفاد حين تكون متعبة.
أن تجعل احترام أهلها أمرًا غير قابل للنقاش.
أن تمنع أي مزاح يهينها، سواء صدر من زوج أو ابن أو ابنة.
أن تخصص وقتًا لنفسها بلا شعور بالذنب.
أن تحتفظ بجزء من مالها لصحتها وراحتها.
وأن تدرك أن الحب الذي يهدم صاحبه ليس فضيلة.
قد يغضب الأبناء في البداية.
وقد يتهمونها بأنها تغيرت.
لكنهم في الحقيقة لا يغضبون من تغيرها، بل من فقدان الامتيازات التي اعتادوا عليها.
والأم التي تخشى غضبهم أكثر من ضياع كرامتها ستظل خادمة إلى آخر العمر.
وفي النهاية ..
الأم ليست يدًا تطبخ فقط.
وليست ظهرًا ينحني لتنظيف ما يفسده الآخرون.
وليست خزينة مفتوحة ولا حضانة مجانية ولا خادمة دائمة لابنتها وزوجها وأحفادها.
الأم مقام.
والمقام لا يُطلب احترامه بالكلام فقط، بل يحمي نفسه بالحدود.
من أعطى أبناءه كل شيء ولم يعلمهم كيف يعطون، لا ينبغي أن يندهش حين يكبرون وهم لا يعرفون سوى الأخذ.
ومن ضحى بكرامته باسم الحب، قد يستيقظ يومًا ليجد أن من أحبهم صدقوا أنه بلا كرامة.
أقسى ما قد تفعله الأم بنفسها ليس أن تتعب من أجل أبنائها، بل أن تجعل تعبها حقًا مكتسبًا لهم.
ولذلك فإن أعظم درس يمكن أن تقدمه الأم لأبنائها ليس التضحية بلا نهاية، بل أن تقول لهم، بالفعل قبل الكلام:

أنا أحبكم، لكنني إنسانة.
لي حق في الراحة.
ولي أهل يجب أن يُحترموا.
ولي بيت لا أُهان فيه.
ولي عمر لن أسمح بأن ينتهي وأنا أخدم من لا يشعر بتعبي.
فالأم التي تحفظ قدرها، تعلم أبناءها كيف يحفظونه.
والأم التي تهدر نفسها، لا تربي أبناءً أوفياء، بل قد تصنع بيديها جيلًا يظن أن الحب هو أن يأخذ دائمًا، وأن الأم خُلقت فقط كي تعطي.
حفظ الله كل الأمهات
مع تحياتي .
نعمة حسن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى