
بقلم:
الناقد والروائي حسن غريب أحمد
روائي قاص ناقد شاعر
تقدّم لنا قصة «الحصان العجوز» للقاص محمد الحديدي نموذجاً سردياً عميقاً في بساطته، ومعبّراً في رمزيته، حيث تمتزج الواقعية الاجتماعية بالنزعة الإنسانية، في نص يفضح قسوة الإنسان حين يفقد إنسانيته، ويكشف في الوقت نفسه عن وفاء الحيوان الذي قد يتفوّق على البشر في النقاء والوفاء.
أولاً: بنية السرد وافتتاحية المشهد
يبدأ القاص بمشهد إشراقي مفعم بالحياة:
«أشرقت الأرض بنور ربها وبدأت خيوط الشمس تتسلل من خلال الأفق…».
هذه البداية ليست مجرد وصف طبيعي، بل هي رمز للبعث والنور الإلهي الذي سيقابل لاحقاً ظلمة القسوة الإنسانية المتمثلة في شخصية “الديداموني العربجي”.
فالكاتب يعقد مقارنة ضمنية بين ضوء الله في الطبيعة وظلمة الإنسان في نفسه، لتبدأ المفارقة الدرامية منذ السطر الأول.
ثانياً: بناء الشخصية ومفارقة القسوة
شخصية الديداموني تمثل نموذجاً للفرد القاسي الذي تجرّده الحياة من رحمته، حتى يصبح انعكاساً للعنف الاجتماعي والاقتصادي. فهو نتاج الفقر والغلظة والعوز، لكنه في الوقت نفسه مُنتِج للعنف الذي يمارسه على من حوله — زوجته، أولاده، وحصانه.
الكاتب هنا يرسم حلقة من القسوة المتوارثة: الإنسان الذي يُهان، يمارس الإهانة على من دونه.
وفي مقابل هذه القسوة، يظهر الحصان العجوز كرمز للبراءة والصبر، المخلوق المقهور الذي لا يملك سوى الحنين والوفاء لمن أحسن إليه يوماً، ممثلاً في الصول سرور.
ثالثاً: الرمز والمعنى الإنساني
الحصان هنا ليس مجرد كائن حيواني، بل هو رمز للإنسان المقهور الذي يئن تحت سوط السلطة أو القهر الاجتماعي.
حين يلتقي الحصان بـ”الصول سرور”، يتفجّر داخل النص البعد الرمزي والوجداني:
الصول سرور يمثل الضمير النائم في المجتمع؛ ذلك الذي يحاول أن يُكفّر عن ذنبٍ ارتكبه في الماضي.
الحصان يمثّل البراءة التي دُفنت حيّة، لكنه ما زال يحمل في ذاكرته لحظة الوفاء، فيعود رغم عجزه وشيخوخته إلى حيث وجد الرحمة يوماً.
الكاتب ينسج من هذا اللقاء مأساة وجودية تُشبه عودة الروح إلى مكانها الأول، لكنها عودة دامية، تنتهي بموت الجسد على رؤوس الأسهم الحديدية المحيطة بالمركز — رمز السلطة والنظام — وكأن الحيوان أراد أن يعانق حريته الأخيرة بالموت.
رابعاً: تقنية السرد والتوازن اللغوي
لغة الحديدي في هذه القصة معتدلة بين الوصف والرمز، فهو لا يغرق في التزويق اللفظي، بل يوازن بين الواقعية الحسية والتعبير الدرامي الداخلي.
السرد يسير بخط زمني متصل، دون قفزات مربكة، مما يجعل النص قابلاً للتلقي السلس.
أما الحوار الداخلي للصول سرور، فهو يفتح نافذة تأملية تمنح النص بعداً أخلاقياً وإنسانياً.
الكاتب يتقن استخدام التوازي بين الإنسان والحيوان ليخلق حالة من التماثل الوجداني: كلاهما ضحية، وكلاهما يبحث عن الخلاص، أحدهما بالندم، والآخر بالموت.
خامساً: الدلالة الفلسفية والإنسانية للنهاية
الموت الدرامي للحصان ليس مجرد مشهد مأساوي، بل هو نقطة تحول رمزية؛ فاختراق جسده برؤوس الحديد يرمز إلى تضحية البراءة أمام قسوة العالم.
الحديد والسلك الشائك هنا ليسا سوى أسوار المجتمع البارد الذي يقتل من يحاول العبور نحو إنسانيته.
يترك القاص النهاية مفتوحة على تأمل حزين:
هل مات الحصان فعلاً؟ أم أنّه تحرّر من قيده الأرضي؟
تلك المفارقة تجعل النص يعلو من مستوى الحكاية الواقعية إلى أسطورة صغيرة عن الوفاء والخلاص.
سادساً: القيمة الجمالية والرسالة
«الحصان العجوز» قصة إنسانية بامتياز، تتجاوز حكايتها الصغيرة لتطرح أسئلة كبرى حول:
الرحمة والعدالة في عالم يسوده القهر.
الضمير الإنساني في مواجهة القسوة والسلطة.
الوفاء الذي يبقى رغم الجحود.
القصة تُذكّرنا بما قاله تشيخوف:
“الإنسان يجب أن يكون رحيماً أكثر مما هو عادل.”
وهذا بالضبط ما يلمع في ضمير الصول سرور، ويغيب عن روح الديداموني.
خلاصة رؤيتي النقدية :
القاص محمد الحديدي ينجح في هذه القصة في الجمع بين الرمزية والواقعية، وبين السرد الحكائي والبعد الإنساني، ليمنحنا نصاً موجعاً، يلتصق بالذاكرة ويثير التأمل في جوهر الرحمة.
أما الحصان، فهو ليس مجرد بطل جانبي، بل ضمير النص وروحه، الكائن الذي مات واقفاً ليُذكّرنا جميعاً بأن القهر، مهما طال، لا يطفئ الحنين إلى النور.





