
في ظلال الأمان تتنفس الأرواح
بقلم الكاتبة نجوي رضوان
(نجاح رضوان)
النفس البشرية في جوهرها ومكنونها تحاكي في تقلباتها وأحوالها طبيعة الطير الحر؛ ذلك الكائن الرقيق الذي لا يمنحه الفضاءُ اتساعاً بقدر ما يمنحه الاطمئنانُ تحليقاً. فالإنسان، حينما يحلُّ في مجلسٍ يحيطه بالود، ويستشعر في ملامح جلاسه صدق المودة ونقاء السريرة، تنفتح آفاق روحه المنغلقة، وتتحرر مشاعره المكبوتة، فيبدأ ببثِّ حديثه كما يرسل الطير الغريد أجمل ألحانه في فجر يومٍ ربيعيٍّ آمن.
إنها لحظةُ “الاستئناس”، حيث يشعر المرء أن قلبه قد عثر على مأواه، وأن كلماته لن تُفهم على غير محملها، ولن تُستغل ضدَّه خيباتُه أو انكساراته. في تلك اللحظة، يفيض اللسان ببيانٍ عذب، وتخرج الكلمات منمقةً عفوية، كأنها معزوفة موسيقية صاغتها الطمأنينةُ قبل أن ينطق بها الفم. حين يأمن الإنسان جانب من يجالسه، يتحول من كائنٍ متحفظٍ يزن الكلمة بميزان الحذر، إلى شلالٍ من المشاعر الصادقة والحكايات التي تلامس الوجدان.
وعلى النقيض من ذلك تماماً، نجد الجانب الآخر المظلم من الصورة؛ فحين يتسلل الشك إلى المجالس، ويفقد المرء شعوره بالأمان النفسي، وتغيب الثقة التي هي عمادُ كل صلة، تنكمش الروح على نفسها كما ينكمش الطير جريح الجناح في ليلةٍ عاصفة. ليس الصمت هنا مجرد غيابٍ للكلمات، بل هو “صمتٌ يقتل”، صمتٌ ثقيل يطبق على الأنفاس، ويحول الحناجر إلى سجونٍ للأفكار.
إن فقدان الأمان في حضرة الآخرين يحول الإنسان إلى كيانٍ غريب عن نفسه، يفضل الصمت لا زهداً في الكلام، بل خوفاً من أن تُساء القراءة، أو تُبتر المشاعر. إنه صمتُ الاحتضار الذي يغتصب عفوية الروح، ويجعل المرء يفضل العزلة وهو في قلب الزحام. فما أقسى أن يكون المرء طيراً يمتلك كل أسباب التغريد، لكنه يختار السكوت لأن الفضاء من حوله لم يعد يمنحه الدفء الذي يستحقه.





