مقالات

في رحاب ماسبيرو.. إذاعة القرآن الكريم 61 عامًا من ريادة الكلمة وقدسية الرسالة

في رحاب ماسبيرو.. إذاعة القرآن الكريم 61 عامًا من ريادة الكلمة وقدسية الرسالة

بقلم : محمد عربي نصار

مقالات ذات صلة

في قلب الكيان الإعلامي المصري، داخل جدران مبنى ماسبيرو العريق، وُلدت منذ واحدٍ وستين عامًا منارة صوتية خالدة، حملت لواء الكلمة الطيبة، ونشرت النور في قلوب الملايين. إنها إذاعة القرآن الكريم، التي انطلقت في 25 مارس 1964، بقرار تاريخي من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، لتكون أول إذاعة متخصصة في تلاوة كتاب الله وتعاليمه وتفسيره، بأسلوب وسطي، معتدل، يعكس روح الإسلام الحقيقي وينشر ثقافته وقيمه في أرجاء الوطن والعالم.

لقد شاءت الأقدار أن تتزامن ذكرى تأسيس هذه الإذاعة المباركة هذا العام مع شهر رمضان المعظم، شهر الإيمان والقرآن، ما يضفي على المناسبة قدسية خاصة، ويعيد إلى الأذهان صورة مصر وهي تتزين بالأصوات الطاهرة، والقلوب العامرة بالإيمان.

ومن حسن الطالع أيضًا أن هذه الذكرى تأتي متزامنة مع ذكرى الشيخ سيد النقشبندي، صوت الابتهالات الخاشعة الذي لامس السماء، وترك في الروح أثرًا خالدًا. كيف ننسى ذلك الصوت النقي وهو يردد: “مولاي إني ببابك…”، ليبقى نقشًا روحيًا خالدًا في ذاكرة الأمة.

وفي سجل التواشيح والابتهالات، يبرز اسم علم آخر من أعلام الإنشاد الديني الذين ارتبطت أصواتهم بإذاعة القرآن الكريم، وهو المبتهل الكبير الشيخ محمود البجيرمي، الذي وُلد في محافظة المنوفية – قويسنا حيث أصول والدتي – رحمة الله عليهم أجمعين، ونشأ في بيئة أزهرية أثرت تربيته الدينية والعلمية. حفظ القرآن الكريم صغيرًا، وتخرج في كلية أصول الدين، ما جعله يمزج بين الفهم العميق للمعاني القرآنية والقدرة الفذة على التعبير الصوتي.

تميّز الشيخ البجيرمي بصوته الخاشع وأدائه الهادئ العميق، وكانت له مدرسة خاصة في الابتهالات الصوفية والروحية التي تدخل إلى القلوب برقة وسمو. من أشهر تواشيحه:

“يا واسع المغفرة”

“أغيب وذو اللطائف لا يغيب”

“يا رب عبدك قد أتاك”

“جل من قد صورك”

“إليك قلبي”

وكانت إذاعة القرآن الكريم تبث بصوته ابتهالات ما قبل الفجر والسحر، فكان صوت البجيرمي سببًا في دموع العابدين وسكينة المتهجدين، ليبقى ركنًا روحانيًا خالدًا في ذاكرة المصريين.

وإذاعة القرآن الكريم لم تكن مجرد وسيلة لبث التلاوات، بل كانت مدرسة للخشوع، ومنبرًا للوعي الديني، وسجلًا ذهبيًا لعمالقة التلاوة الذين أُطلقت من خلالها أصواتهم إلى العالم، ومنهم:

الشيخ محمد رفعت – صوتٌ عابرٌ للأزمان، جمع بين روعة الأداء وجلال المعنى.

الشيخ محمود خليل الحصري – رمز الإتقان والمدرسة العلمية في التلاوة.

 الشيخ مصطفى إسماعيل – مبدع الأداء المقامي والتلوين الصوتي الفريد.

 الشيخ عبد الباسط عبد الصمد – صاحب الحنجرة الذهبية التي حفظها العالم عن ظهر قلب.

الشيخ كامل يوسف البهتيمي – صوت خاشع ومؤثر، ترك بصمة عميقة رغم رحيله المبكر.

ولا تكتمل صورة رمضان في مصر إلا بذاك المشهد البديع الذي كانت تصنعه إذاعة القرآن الكريم قبيل أذان المغرب، حيث كانت تبث تلاوة مهيبة تتبعها صوت مدفع الإفطار، فترتفع الدعوات في كل بيت، ويجتمع الصائمون على مائدة واحدة، يربطهم صوت الإيمان، وحنين الذكر، وصفاء اللحظة. كان هذا المشهد واحدًا من أجمل تجليات الوحدة المصرية، حين يلتف المسلمون والمسيحيون على نفس الإذاعة، ويأنسون بنفس الأجواء.

إنها ليست مجرد إذاعة، بل جزء من الهوية المصرية، وركيزة من ركائز خطابها الثقافي والديني. وإذاعة القرآن الكريم ستبقى، بإذن الله، المنارة التي تهدي القلوب، وصوت مصر الأصيل في زمن الضجيج.

وفي هذه الذكرى الخالدة، نتقدم بخالص التهنئة لقيادات ماسبيرو، ولكل المبدعين في إذاعة القرآن الكريم، ولكل مستمعيها داخل مصر وخارجها، سائلين الله أن يديم على مصرنا الحبيبة بركات هذا الصرح الإعلامي المبارك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى