هندسة الردع.. عندما تصيغ القوة ملامح السياسة والاقتصاد
كتبت /منى منصور السيد
في عالمٍ يموج بالاضطرابات، لم تعد القوة العسكرية مجرد درعٍ يُشهر في وجه الأعداء عند الصدام، بل تحولت إلى ريشة ترسم ملامح الخرائط السياسية وتضبط إيقاع الأسواق الاقتصادية، لتشكل ما يمكن وصفه بـ “لغة الصمت البليغ” في الدبلوماسية الدولية. إن المتأمل في مشهد الحشود الأمريكية في الخليج العربي، وما طرحه اللواء دكتور سمير فرج من رؤى ثاقبة، يدرك أننا أمام هندسة معقدة لمفهوم الردع، تتجاوز في أبعادها مجرد استعراض العضلات لتصل إلى عمق التأثير النفسي والمادي في آن واحد.
يبدأ هذا البناء الاستراتيجي من التفريق الجوهري بين الردع بالفعل والردع بالتلويح؛ فبينما قدمت الدولة المصرية نموذجاً يحتذى به في الحسم الميداني حينما استدعى الأمر تطهير الأرض من دنس الإرهاب بضربة مادية قاصمة أعادت صياغة قواعد الأمن القومي في المنطقة، نجد أن النموذج الأمريكي الراهن يميل نحو الردع المعنوي الذي يستهدف كسر الإرادة قبل كسر السلاح. هذا النوع من الردع يحول مسرح العمليات إلى منصة عرض كبرى، حيث حاملات الطائرات والمدمرات ليست إلا رسائل سياسية مكتوبة بمداد من الصلب، تهدف إلى إرغام الخصم على مراجعة حساباته والعدول عن مواقفه دون الحاجة إلى ولوج نفق الحرب المظلم الذي يُعرف أوله ويُجهل آخره.
ولم تكن السياسة يوماً بمنأى عن هذا الضجيج العسكري المنضبط، بل إنها المستفيد الأول من حالة “الحصار البحري” التي فُرضت بصرامة، ضاربةً عرض الحائط ببعض أبجديات قوانين الملاحة الدولية في سبيل تحقيق مصالح عليا. هنا تبرز براجماتية القوى العظمى التي توظف القوة العسكرية لتكون ورقة ضغط رابحة على طاولة المفاوضات، فالهدف ليس تدمير الخصم بقدر ما هو “ترويضه” سياسياً واقتياده نحو تنازلات تضمن فتح الشرايين الحيوية للعالم، وفي مقدمتها مضيق هرمز الذي يمثل قلب الاقتصاد العالمي النابض.
إن التداخل بين العسكري والاقتصادي في هذا المشهد يبدو جلياً حين نترجم الحشود العسكرية إلى أرقام وخسائر يومية يتكبدها الطرف الآخر، حيث يصبح الحصار الاقتصادي المسنود بظهير عسكري نوعاً من “الحرب النظيفة” التي تستنزف موارد الخصم وتدفعه نحو الانهيار الداخلي ببطء. وبحسابات الربح والخسارة، نجد أن تكلفة استنفار القوات مهما بلغت ضخامتها، تظل ضئيلة إذا ما قورنت بتبعات الحرب الشاملة التي لا تكتفي باستنزاف الميزانيات، بل تهدد بإشعال فتيل تضخم عالمي لا يبقي ولا يذر، نتيجة توقف تدفقات الطاقة وارتفاع الأسعار بشكل جنوني.
ويظل مفهوم الردع هو المعيار الحقيقي لذكاء القوة؛ فأن تحقق أهدافك وتفرض إرادتك وتصون مصالحك القومية دون أن تضطر لإطلاق رصاصة واحدة، هو قمة الانتصار في موازين الاستراتيجية الحديثة. إنها سيمفونية تتناغم فيها هيبة السلاح مع دهاء السياسة وحسابات الاقتصاد، لتؤكد أن القوة الحقيقية ليست في ممارسة العنف، بل في القدرة على منعه مع تحقيق كامل الأرباح في آن واحد.