الأسبوع العربي

فنّ الرد عند العرب… ذكاء القول وجمال الحضور

بقلم/  محمد فوزي عناني

في زمنٍ كانت الكلمة فيه سلاحًا، والقول معيارًا للهيبة والمكانة، أبدع العرب في “فنّ الرد”؛ ذاك الفن الذي يجمع بين الذكاء واللباقة وسرعة البديهة، دون أن يفقد صاحبه وقاره أو يخرج عن حدود الأدب. الردّ عند العرب لم يكن يومًا هجومًا، بل دفاعًا راقيًا يردّ الإهانة بمكرٍ جميل ويحوّل السخرية إلى نصرٍ لفظيّ مدهش.
الردّ المهذّب… كرامة دون إساءة
يروى أن سيدة بدينة ركبت الحافلة، فصاح أحد الركّاب ساخرًا:
“لم أعلم أن هذه السيارة مخصّصة للفيلة!”
فأجابته بهدوء:
“بل هي كسفينة نوح… يركبها الفيلة والحمير أيضًا.”
ردّ بسيط في كلماته، لكنه عميق في معناه؛ إذ لقّنته درسًا في الأدب دون أن تنزل إلى مستوى سخريته، فجمعت بين الكرامة والذكاء في آنٍ واحد.
حضور ذهنيّ يغيّر الموقف
من أروع الأمثلة أيضًا ما دار بين الكاتب الإيرلندي برنارد شو وأحد خصومه حين قال له الأخير متفاخرًا:
“أنا أكتب من أجل الشرف، وأنت تكتب من أجل المال.”
فأجابه شو فورًا:
“صدقت، كلٌّ منّا يبحث عمّا ينقصه.”
بهذه الجملة القصيرة، أجهز شو على غرور خصمه دون أن يعلو صوته أو يفقد رباطة جأشه.
بديهة الشعراء… نار في ثوب من حرير
حين سأل رجلٌ الشاعر الأعمى بشار بن برد مستهزئًا:
“بماذا عوّضك الله عن فقد بصرك؟”
ردّ عليه الشاعر بحدة الذكاء قائلاً:
“عوّضني بأن لا أرى أمثالك.”
جملة واحدة كفيلة بأن تُخرس المستهزئ وتُظهر عظمة الردّ الأديب.
وكذلك فعل المتنبي حين قال له أحدهم:

“رأيتك من بعيد فظننتك امرأة.”
فردّ عليه المتنبي بكل ثقة:
“وأنا رأيتك من بعيد فظننتك رجلًا.”

السخرية المهذبة… ذكاء لا إسفاف فيه

في مواجهة المواقف الحرجة، استخدم بعض العظماء سلاح الفكاهة المؤدّبة. فعندما قال تشرشل للكاتب برنارد شو ساخرًا من نحافته:

“من يراك يظن أن بريطانيا في أزمة غذاء.”
ردّ شو قائلًا:
“ومن يراك يعرف سبب الأزمة.”
إنه ذكاء لغوي يصيب الهدف دون تجريح، فيحول الموقف كله إلى انتصارٍ بالكلمة.

حكمة الختام: الردّ مرآة العقل
ليس الردّ البليغ في شدّة الصوت، بل في حكمة اللسان. الردّ الذكي لا يجرّك إلى الإساءة، بل يرفعك فوقها. فكما قال أحد الحكماء:

“الردّ المهذّب لا يترك للخصم مجالًا للانتصار.
فنّ الردّ هو مزيج من سرعة البديهة وسموّ الأخلاق؛ من امتلكه عرف كيف يحوّل الموقف لصالحه دون أن يخسر احترامه. تذكّر دائمًا: تعلم أن ترد، لكن دون أن تتخلى عن أخلاقك، فالكلمة اللطيفة قد تُسكت الجاهل وتُظهر الحكيم، وتبني لك هيبة لا تُشترى بمال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى