أخبار الأسبوعأدبأدب وشعرالأسبوع العربيالثقافة والفنونفنفنونقصة قصيرةقصص ورواياتمجلة الأديب العربيمجموعة قصصيةمنوعات

فقاعة

حين يصبح النجاح اختبارًا للبقاء لا للتصفيق

بقلم / أحمد درويش العربى

طوال حياتي، كنت أرجو أن أكون ناجحًا في كل ما أفعله.
لكنني، في الوقت نفسه، كنت دائمًا أدعو ألا يكون نجاحي مجرد فقاعة.
تلك الفقاعات التي يصنعها الأطفال من الماء ورغوة المنظفات، ينفخون فيها عبر حلقة صغيرة، فتعلو في الهواء لحظات، ثم لا تلبث أن تنفجر… تتبخر وتختفي.

لا أثر لها، لا صوت، لا ذكرى، كأنها لم تكن.

كنت أخشى هذا النوع من النجاح.
النجاح الذي يصفق له الجميع لحظة، ثم ينسونه كما ينسون اسم طفلٍ قابلوه صدفة في شارع مزدحم.

ولدت في بيتٍ عادي، لا فقر مدقع فيه ولا ثراء يفتح الأبواب دون عناء.
أبي موظف حكومي، يؤمن أن الاستقرار أعظم إنجاز يمكن أن يحققه الإنسان.
وأمي كانت ترى النجاح في أن نعود إلى البيت سالمين، وأن يبقى الطعام دافئًا على المائدة.

أما أنا، فمنذ طفولتي، كنت أنظر إلى الأمور بشكل مختلف.
لم أكن أريد فقط أن أنجح، بل أن أفهم لماذا نجحت، وماذا سيبقى مني بعد أن يهدأ التصفيق.

في المدرسة، كنت متفوقًا.
كان المعلمون يحبون اسمي حين يمرّ على كشوف الدرجات، والطلاب يكرهونه للسبب نفسه.
لكن التفوق لم يمنحني الفرح الذي تخيلته.
كنت أشعر، كلما عدت إلى البيت بشهادة تقدير جديدة، أنني أنفخ فقاعة أخرى، أكبر قليلًا من سابقتها، لكنها لا تزال قابلة للانفجار.

سألت نفسي مبكرًا:

ماذا لو توقفت يومًا عن التفوق؟
هل سأظل أنا؟

كبرت، ودخلت الجامعة، واخترت تخصصًا قيل لي إنه “مستقبل مضمون”.
لم أكرهه، لكنني لم أحبه أيضًا.
كنت أدرسه كما ينفذ المرء وصية لا يفهم معناها، فقط لأنها وُضعت بين يديه.

في تلك السنوات، رأيت الكثير من الفقاعات.
طلاب يتصدرون المشهد، يلمعون، يتحدث عنهم الجميع، ثم يختفون بعد التخرج كما تختفي الأضواء بعد انتهاء الحفل.
أساتذة كانوا نجوماً في زمنٍ ما، ثم صاروا أسماءً تُذكر باحترامٍ باهت.

كنت أراقب وأصمت.
وأقول لنفسي:

لا أريد أن أكون مجرد لحظة.

بعد التخرج، حصلت على وظيفة بسرعة.
قالوا إنني محظوظ.
وقال أبي بفخرٍ حاول إخفاءه: “الحمد لله، استقرت الأمور.”

لكن الأمور لم تكن مستقرة داخلي.

كنت أستيقظ كل صباح، أرتدي ثيابًا أنيقة، أذهب إلى مكتب لامع، أؤدي عملي بإتقان، أتلقى كلمات الثناء، ثم أعود إلى البيت بشعور غريب
فراغ ناعم، لا يُرى، لكنه يضغط على الصدر.

في أحد الأيام، وأنا أرتشف قهوتي في المكتب، رأيت طفلًا في الشارع المقابل، ينفخ فقاعات صابون.
وقفت أراقبه من خلف الزجاج.
كان يضحك كلما انفجرت فقاعة، وكأن اختفاءها جزء من متعته.

أما أنا، فشعرت بالخوف.
لأني أدركت أنني أضحك أحيانًا بالطريقة نفسها، بينما شيء ما في داخلي ينفجر دون أن أحتفل به.

في تلك الفترة، التقيت بشخص غيّر مسار تفكيري.
رجل مسن، كان يجلس دائمًا في المقهى القريب من عملي.
لم يكن لافتًا، ولا مشهورًا، ولا محاطًا بالناس.
لكن عينيه كانتا هادئتين بشكل أربكني.

ذات مرة، جلسنا على الطاولة نفسها بالصدفة.
تبادلنا حديثًا عابرًا، ثم صمتًا طويلًا.
وأخيرًا قال لي، دون مقدمات:
أنت ناجح، لكنك خائف.”

تفاجأت.
سألته: “كيف عرفت؟

ابتسم وقال:
لأن الخائفين فقط يسألون أنفسهم إن كان ما يعيشونه سيبقى.”

تحدثنا كثيرًا بعدها.
أخبرني أنه كان يومًا ما شخصية معروفة في مجاله، ظهر اسمه في الصحف، وحُمل على الأكتاف.
ثم قرر أن ينسحب بهدوء حين شعر أن ما يفعله لم يعد يشبهه.

قال لي:
النجاح الحقيقي يا بني، ليس أن تُرى، بل أن لا تختفي من نفسك.”

تلك الجملة علقت في رأسي كصدى لا ينتهي.

بدأت أراجع حياتي.
أسأل نفسي أسئلة كنت أهرب منها:

هل أعيش كما أريد أم كما يُتوقع مني؟

هل ما أفعله يضيف إليّ أم يستهلكني؟

وإن اختفى كل شيء غدًا… ماذا سيبقى؟

بدأت أكتب.
في البداية، لم يكن أحد يقرأ.
كنت أكتب لنفسي، عن خوفي، عن الفقاعات، عن النجاح الذي يشبه الألعاب النارية: جميل، صاخب، قصير.

لم أنشر، لم أبحث عن إعجاب، فقط كنت أتنفس.

مرت السنوات.
تركت وظيفتي الأولى، ثم الثانية.
قال البعض إنني أضيّع الفرص.
وقال آخرون إنني لا أعرف ماذا أريد.

ربما كانوا محقين جزئيًا.
لكنني كنت أعرف شيئًا واحدًا:
لا أريد نجاحًا لا أعرف كيف أحمله حين يثقل.

شيئًا فشيئًا، بدأت كتاباتي تصل إلى الناس.
ليس بالضجيج، بل بالهمس.
رسائل صغيرة، قراء يقولون: “كأنك تكتب عنا.”

لم أصبح مشهورًا.
لم تظهر صوري في كل مكان.
لكنني كنت أستيقظ كل صباح دون ذلك الفراغ القديم.

في أحد الأيام، مررت بالشارع نفسه الذي كنت أرى فيه الطفل ينفخ الفقاعات.
كان الشارع هادئًا.
لا أطفال، لا فقاعات.

وقفت قليلًا، وابتسمت.
أدركت أنني لم أعد أكره الفقاعات.
أنا فقط لم أعد أريد أن أكون واحدة منها.

اليوم، إن سألني أحدهم:
هل أنت ناجح؟
لا أجيب بسرعة.

أنظر أولًا إلى داخلي.
فإن وجدته حاضرًا، غير مكسور، غير فارغ
أقول: نعم.

لأن النجاح الذي لا ينفجر،
ليس ذاك الذي يلمع أكثر،
بل ذاك الذي يبقى،
حتى حين لا ينظر أحد.

الرئيسية

صفحتنا على الفيس

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى