أدب وشعر

خير عيش أدركناه في الصبر

 

بقلم / محمـــد الدكـــروري

مقالات ذات صلة

اليوم : الأحد الموافق 13 أكتوبر 2024

الحمد لله رب العالمين، نحمده تعالى حمد الشاكرين، ونشكره شكر الحامدين وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، اللهم صلي وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وصحبه اجمعين، حق قدره ومقداره العظيم أما بعد في زمن إختل فيه ميزان الإقتداء وإضطرب فيه منهاج الإئتساء عن أي قدوة سأتحدث؟ وعن أي إنسان سأتكلم؟ نتحدث عن تلك الروح الزكية التي مُلئت عظمة وأمانة وسموا وعن تلك النفس الأبية التي مُلئت عفة وكرامة ونبلا، إنه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم رسول الله إلى العالمين، وحجته على الخلق أجمعين، الذي اختاره الله جل جلاله لحمل رايته، والتحدث باسمه، وجعله خاتم رسله. 

 

وأثنى عليه فقال ” وإنك لعلي خلق عظيم ” فإننا حينما نستلهم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإننا لا يمكن أن نوفيه بعض حقه، وإنما هي إطلالة سريعة وإشارة موجزة إلى شيء من سماته التي جعلت أفئدة الناس تهوي إليه، وشيء من صفاته التي جذبت نفوس الخلق إليه، لقد رأى الصحابة رأي العين كل فضائله ومزاياه، رأوا طهره وعفته، رأوا أمانته واستقامته، رأوا شجاعته وبسالته رأوا سموه وحنانه، بل رأى كل هذا أهل مكة الذين عاصروا ولادته وطفولته بما انطوت عليه من رجولة مبكرة، لقد كانت قريش تتحدث عما أنبأتهم به، وأذاعته بينهم مرضعته حليمة، حين عادت به إلى أهله، لقد كانت حليمة تدرك أن هذا الطفل غير عادي وأنه ينطوي على سر يعلمه الله، وقد تكشفه الأيام، ما إن أخذت حليمة النبي صلى الله عليه وسلم حتى درّ ثديها اللبن. 

 

فإرتوى منه محمد صلى الله عليه وسلم وإبنها الذي كان يبكي من الجوع لجفاف ثدي أمه، ثم امتلأ ضرع راحلتها باللبن بعد أن كان يابسا فشبعت هي وزوجها ثم أصبحت الراحلة نشيطة قوية، ولما وصلت ديارها أخصبت الأرض وأربعت فلا تحل أغنام حليمة إلا وتجد مرعا خصبا، فتشبع أغنامها حين تجوع أغنام قومها، وعاش طفولته صلى الله عليه وسلم في بني سعد، وكان ينمو نموا سريعا لا يشبه نمو الغلمان، واعلموا إن من الأعمال الصالحة التي لها جزاءها وثوابها هو الصبر، ففيه الفوز بالمطلوب والظفر بالمحبوب والنجاة من المكروب والسلامة من المرهوب ونزول الجنة إنما ناله أهل الصبر، وبأنه يعقب المستمسك به منزلة الإمامة في الدين فقال الإمام ابن القيم رحمه الله “سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين. 

 

ثم تلا رحمه الله قوله تعالى ” وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا” فلا عجب إذا أن يكون للصبر تلك المنزلة العظيمة التي عبّر عنها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، بقوله “إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ألا لا إيمان لمن لا صبر له” وأن يدرك المرء بالصبر خير عيش في حياته، كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه “خير عيش أدركناه في الصبر” وأن يكون الصبر ضياء كما وصفه رسول الهدى صلوات الله وسلامه عليه وذلك في الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه، والإمام أحمد في مسنده، وأن يكون الصبر خير وأوسع عطاء يعطاه العبد، كما جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد في مسنده، والبخاري ومسلم في صحيحيهما واللفظ للبخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. 

 

أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأنصار الذين سألوه فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم حتى نفد ما عنده، قال “ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفّه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبّره الله، وما أُعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر” وأن يكون أمر المؤمن كله خيرا له لأنه دائر بين مقامي الصبر والشكر، كما جاء في الحديث عن صهيب بن سنان رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال “عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سرّاء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيرا له”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى