الأسبوع العربيالأسرة والطفلمقالاتمنوعات

حين صار الزواج صفقة

حين صار الزواج صفقة
بقلم: نعمة حسن
قد لا يكون أخطر ما يحدث في بيوتنا اليوم أن الزواج يفشل.
قد يكون الأخطر أن بعض الزيجات تبدأ وهي تحمل بذرة نهايتها منذ يومها الأول.
ندخل البيت الجديد محمّلين بقوائم الحقوق، والتوقعات، والمقارنات، وخطط النجاة إذا تعثرت الحياة… ثم نستغرب لماذا لم يعد بعض البيوت يحتمل أول عاصفة.
كأننا نتعلم جيدًا كيف نتزوج، وكيف نطالب، وكيف نحصل، وكيف نخرج…
ونسينا السؤال الوحيد الذي كان ينبغي أن نتعلمه أولًا:
كيف نبقى؟
أخطر ما يهدد البيوت اليوم ليس الطلاق.
الأخطر أن بعض الناس يدخلون الزواج وهم يجهزون أنفسهم له منذ البداية كأنه صفقة قابلة للفسخ، لا حياة يُفترض أن تُبنى.
زمان، لم تكن المرأة بالضرورة ذلك الكائن الضعيف الذي تحب بعض الحكايات أن تصوره لنا؛ كانت في بيوت كثيرة عمودًا كاملًا من أعمدة الأسرة. تعمل خارج البيت إن احتاج الأمر، ثم تعود فتدير بيتًا، وتقتصد، وتدبر، وتصبر، وتشارك الرجل حمل الحياة؛ ليس لأنها بلا حقوق، وإنما لأنها كانت ترى أن الأسرة مشروع يستحق أن يُحمَل على كتفين.
وكان الرجل، في صورته المسؤولة، يعرف أن وراء كلمة «زوج» التزامًا، ووراء كلمة «أب» عمرًا كاملًا من المسؤولية.
المشكلة أن شيئًا ما تغيّر.
ليس في النساء وحدهن.
ولا في الرجال وحدهم.
بل في فكرة الزواج نفسها.
دخلت السوق إلى البيت.
وأصبح الحب أحيانًا يُقاس بحجم الشقة، والسعادة بصورة السفر، وقيمة الزوج بما يستطيع شراءه، وقيمة الزوجة بمدى قدرتها على صناعة حياة تشبه ما نراه على الشاشات.
وهنا بدأت الكارثة.
بعض الفتيات لم تعد تسأل قبل الزواج فقط:
هل يصلح هذا الرجل أن أكمل معه العمر؟
بل أصبح السؤال عند بعضهن:
ماذا سيقدم؟
وماذا سأحصل عليه؟
وإذا لم تستمر الحياة… ماذا سأخرج به؟
وفي المقابل، هناك شباب يدخلون الزواج وهم يتصورون أن مجرد الإنفاق ـ إن حدث ـ يعفيهم من الاحتواء والمشاركة والمسؤولية، وأن الزوجة جزء من أثاث البيت، لا إنسان له احتياجات وكرامة ومشاعر.
إذن نحن لا نحاكم جنسًا.
نحن نحاكم عقلية جديدة تسللت إلى بيوتنا.
عقلية تتعامل مع الزواج باعتباره عقد خدمات:
أنت توفر لي ما أريد… وأنا أبقى.
تتوقف قدرتك… تبدأ المراجعة.
تخالف توقعاتي… يصبح الانفصال أول الحلول بدل أن يكون آخرها.
والأشد خطورة أن المقارنة لم تعد بين امرأة وأختها أو رجل وصديقه.
المقارنة اليوم مع ملايين البشر.
تمسك الفتاة هاتفها فترى بيتًا في دبي، وفستانًا في باريس، ورحلة في المالديف، وهدايا من ماركات عالمية، ثم تنظر فجأة إلى الرجل الذي يجلس أمامها فتراه أقل مما «تستحق».
ويمسك الرجل هاتفه فيرى نساءً جرى إعداد صورهن بعناية، وحياة مصنوعة للعرض، فيبدأ هو الآخر يقارن زوجته الحقيقية بصورة رقمية لا وجود لها أصلًا.
وهكذا يدخل الهاتف بين الزوجين إلى الفراش… وإلى المطبخ… وإلى أدق تفاصيل الحياة.
لسنا أمام جهاز صغير.
نحن أمام طرف ثالث في الزواج.
طرف لا ينام.
يهمس للزوجة: هناك من تعيش أفضل منك.
ويهمس للزوج: هناك من تبدو أجمل من زوجتك.
ثم يترك الاثنين يتشاجران على حياة لم يعيشها أي منهما.
والأخطر أن الإنسان لم يعد يريد أن يعيش حياته؛ أصبح يريد أن يعيش حياة شخص آخر.
وقد تكون الأسرة محدودة الدخل، والزوج محدود الإمكانات، والزوجة تعرف هذا منذ البداية، ثم بعد أشهر أو سنوات تبدأ المطالب تقفز خارج قدرة البيت بالكامل؛ لا بسبب احتياج حقيقي، وإنما لأن الشاشة أعادت تعريف كلمة «طبيعي».
فتصبح السيارة العادية فشلًا.
والشقة البسيطة فشلًا.
والمصيف البسيط فشلًا.
والعشاء في البيت فشلًا.
حتى الحياة الهادئة نفسها أصبحت عند البعض علامة على أن «شيئًا ناقصًا».
وهنا تظهر مفارقة شديدة القسوة:
قد يكون الإنسان قد خرج أصلًا من بيت بسيط يعرف قيمة الجنيه، لكنه بمجرد أن أصبح أمامه عالم كامل من الاستعراض، بدأ يطالب بحياة لم يعشها هو نفسه يومًا، ولم يعشها أهله، ولا تسمح بها إمكانات أسرته الجديدة.
ليس عيبًا أن تطمح.
لكن هناك فرقًا هائلًا بين الطموح والاستحقاق الوهمي.
الطموح يقول: سنبني معًا.
أما الاستحقاق الوهمي فيقول: عليك أن توفر لي الآن كل ما أراه عند الآخرين.
وهنا يتحول الزوج من شريك حياة إلى ماكينة تحقيق رغبات.
وتتحول الزوجة من شريكة بناء إلى قائمة مطالب.
ثم نتساءل لماذا أصبحت البيوت قصيرة العمر.
وكان هناك شيء آخر اختفى تقريبًا من حياتنا: الكبير.
ذلك الأب، أو الأم، أو العم، أو الخال، أو الشخص العاقل الذي كان يعرف تفاصيل البيت، ويتدخل حين يشتد الخلاف، ويقول للطرف الغاضب: أنت مخطئ.
لم يكن دائمًا مصيبًا بالطبع، وكانت بعض التدخلات الأسرية نفسها سببًا للمشكلات، لكن وجود مرجع حكيم كان في كثير من البيوت يمنح الغضب فرصة أن يبرد قبل أن يتحول قرارًا مصيريًا.

أما اليوم، فقد يسمع الأهل عن الطلاق بعدما يقع.
وإذا سأل أحدهم: لماذا لم تستشيرينا؟
تأتي العبارة التي أصبحت دستورًا لجيل كامل:
«دي حياتي وأنا حرة فيها».
نعم، هي حياتك.
لكن الزواج ليس حياتك وحدك.
والرجل أيضًا حين يقول: «أنا حر»، ينسى الحقيقة نفسها.
من اللحظة التي يصبح فيها الإنسان زوجًا أو زوجة، ثم أبًا أو أمًا، لم تعد قراراته تخصه وحده.
هناك بيت.
وهناك شريك.
وربما هناك أطفال سيدفعون ثمن قرار لم يشاركوا فيه.
الحرية لا تعني أن تعيش وكأنك وحدك على الكوكب.
ثم جاءت أزمة أخرى لا نتحدث عنها بما يكفي:
الأصدقاء أصبحوا أحيانًا أهم من الأسرة.
الرجل يتزوج ثم يظل يعيش وكأنه أعزب؛ خروجاته مع أصحابه مقدسة، والسهر معهم غير قابل للنقاش، بينما نزهة أسرته يمكن تأجيلها عشر مرات.
والزوجة قد تفعل الشيء نفسه؛ يصبح يوم الصديقات أهم من يوم زوجها، وحديث المجموعة أطول من حديث البيت، والأسرار التي يفترض أن تبقى بين الزوجين تنتقل كاملة إلى دائرة الأصدقاء.
وهنا يحدث شيء غريب:
يبني الإنسان بيتًا… ثم يقضي معظم طاقته خارجه.
يختار شريك حياته… ثم يمنح أفضل وقته للآخرين.
ينجب أطفالًا… ثم يبحث عن «الونس» بعيدًا عنهم.
فلماذا أنشأنا الأسرة أصلًا؟
الأصدقاء نعمة.
لكنهم ليسوا بديلًا عن البيت.
والخروج حق.
لكن عندما يتحول البيت إلى محطة للنوم، تصبح المشكلة أكبر من مجرد خروجة.
وحتى نكون منصفين:
هناك نساء عظيمات ما زلن يعرفن معنى البيت، ويقفن مع أزواجهن حين تضيق الدنيا، ويبنين من القليل كثيرًا، ويحفظن الأسرة لا خوفًا من الناس وإنما إيمانًا بقيمتها.
وهناك رجال يعرفون أن الرجولة ليست أمرًا ولا سلطة، وإنما مسؤولية وحماية ورحمة وشراكة.
وهناك فتيات يدخلن الزواج وهن يقلن بصدق: سنبدأ من الصفر ونبني معًا.
وهناك شباب يضعون أسرهم قبل جلسة الأصدقاء وأمام ألف إغراء.
لذلك لا يصح أن نقول: النساء تغيّرن.
ولا أن نقول: الرجال فسدوا.
الأدق أن نقول:
بعض مفاهيمنا عن الزواج هي التي تشوّهت.
لقد تحول الزواج عند البعض من سؤال:
«كيف سنعيش معًا؟»
إلى سؤال:
«ماذا سأحصل منك؟»
ومن مشروع بناء طويل…
إلى اختبار يومي لمستوى الرفاهية.
ومن بيت له أسراره…
إلى محتوى مفتوح للأصدقاء والسوشيال ميديا.
ومن شريك تختاره لتكمل معه الطريق…
إلى شخص تحتفظ بحق استبداله إذا لم يطابق الصورة الموجودة في هاتفك.
أنا لا أدعو امرأة إلى احتمال الإهانة أو العنف أو الظلم باسم الحفاظ على البيت.
ولا أطالب رجلًا بأن يعيش مسلوب الإرادة تحت شعار الأسرة.
ولا أهاجم حق امرأة أو رجل في إنهاء زواج أصبح مؤذيًا أو مستحيلًا.
إنما أتحدث عن المنطقة الأخطر:
أن نصنع أحيانًا من الخلاف العابر نهاية.
ومن عدم القدرة المادية إهانة.
ومن المقارنة حقًا مكتسبًا.
ومن السوشيال ميديا معيارًا للحياة.
ومن كلمة «أنا حر» مطرقة نهدم بها كل «نحن» بنيناها.
نحن في حاجة إلى إعادة تعريف الزواج للأجيال الجديدة.
الزواج ليس حفلة.
ولا شبكة.
ولا شقة.
ولا شهر عسل.
ولا صورًا جميلة تحت إضاءة محسوبة.
ولا اتفاقًا ماليًا طويل البنود.
الزواج شخصان يقول كل منهما للآخر:
لن أطالبك أن تعيش حياة غير حياتنا… لكنني سأساعدك لكي تصبح حياتنا أفضل.
هذا هو الفارق كله.
بين من يبحث عن شريك ليبني معه…
ومن يبحث عن شخص يمول له الصورة التي رسمها الآخرون في رأسه.
قد تتغير القوانين.
وتتغير أسعار البيوت.
وتتغير الموضة.
وتظهر تطبيقات جديدة كل يوم.
لكن هناك قاعدة واحدة لن تتغير:
البيت الذي يدخله اثنان وكل واحد منهما يسأل: ماذا سأأخذ؟… سيظل هشًا مهما كان أثاثه فاخرًا.
أما البيت الذي يدخله اثنان وكل واحد منهما يسأل:
ماذا سنبني؟
فهذا بيت لديه فرصة حقيقية لأن يعيش.
لأن أخطر ما فعلناه بالزواج أننا جعلناه في أحيان كثيرة معركة حقوق قبل أن يبدأ.
مع أن البيوت لا تعيش بمن ينتزع أكثر.
البيوت تعيش بمن يخاف عليها أكثر.
وربما هنا يجب أن نقول الجملة التي لا يحب هذا العصر سماعها:
ليس كل ما تستطيع أن تفعله… يجب أن تفعله.
تستطيع أن تغضب.
وتستطيع أن ترحل.
وتستطيع أن ترفع صوتك.
وتستطيع أن تهدم في لحظة بيتًا بُني في سنوات.
لكن النضج لم يكن يومًا في امتلاك القدرة على الهدم.
النضج أن تعرف متى لا تستخدمها.
فالبيوت لا تحتاج منتصرًا ومهزومًا.
تحتاج اثنين يفهمان أن انتصار أحدهما على الآخر… قد يكون هزيمتهما معًا.
ولا أحد يفوز فعلًا حين يخسر البيت.
قد تخرج من معركة الزواج بكل حقوقك…
وتخسر كل ما كان لا يُشترى.
قد تكسب الجدال…
وتخسر الونس.
قد تثبت أنك كنت على حق…
ثم تجلس وحيدًا أمام بيت صامت لا يعرف من كان المخطئ ومن كان المصيب.
وهذه هي المفارقة التي يجب أن يحفظها كل مقبل على الزواج:

ليس النجاح أن تجد إنسانًا يحقق لك كل ما تريد؛ النجاح أن تجد إنسانًا يصبح ما بينكما أغلى عندك من كل ما تريد.
الأسرة ليست المكان الذي تحصل فيه دائمًا على نصيبك كاملًا.
الأسرة هي المكان الذي تتعلم فيه أحيانًا أن تتنازل عن جزء من نصيبك… كي لا يخسر الجميع النصيب كله.
والحب الحقيقي ليس أن يجد كل طرف شخصًا يطابق أحلامه.
الحب الحقيقي أن يجد كل طرف إنسانًا يستحق أن يعيد من أجله ترتيب بعض أحلامه.
فاحذروا أن نربي جيلًا يعرف سعر كل شيء…
ولا يعرف قيمة شيء.
جيلًا يعرف كيف يختار شريكًا وفق قائمة مواصفات…
ولا يعرف كيف يصبح هو نفسه شريكًا صالحًا.
ويعرف جيدًا كيف يحمي حقوقه…
ولا يعرف كيف يحمي بيته.
فالبيت لا يسقط حين ينقص المال فقط.
ولا حين تختلف الطباع فقط.
ولا حتى حين تشتد المشكلات.
البيت يبدأ في السقوط يوم يصبح كل من فيه مشغولًا بالسؤال:
«ماذا لي؟»
ولا يبقى أحد يسأل:
«ماذا علينا؟»
ولعل أعظم حكمة يمكن أن نتركها لأولادنا ليست:
«اختاروا من يحبكم».
بل:
اختاروا من يعرف معنى أن يبقى حين تصبح الحياة أقل جمالًا من صور البداية.
فالجمال يجذب.
والمال يسهّل.
والحب يبدأ.
لكن الذي يُبقي البيوت حقًا هو الخُلُق حين نختلف، والرحمة حين نعجز، والوفاء حين تتغير الظروف، والعقل حين يغضب القلب.
وإذا أردنا جملة واحدة تختصر كل ما سبق، فلتكن هذه:
لا تبحثوا عن زواج لا تحدث فيه مشكلات؛ ابحثوا عن إنسان لا تتحول معه كل مشكلة إلى نهاية.
فالزواج لم يُخلق ليصنع لنا حياة كاملة.
إنما خُلق لكي نجد وسط حياة ناقصة…
إنسانًا لا نريد أن نكملها من دونه.
حفظنا الله جميعا والبس بيوتنا لباس الستر والعافية .
مع تحياتي .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى