
حين تتشابه المهنة وتختلف الصفة
بقلم: ريمون عصام خليل
محلل للشأن العام وكاتب الخبطة الاستقصائية
كاتب يقدم رؤى نقدية للواقع من خلال السرد القصصي والحكم المستخلصة
في تفاصيل الحياة المهنية، قد تتشابه الواجهات الخارجية والافتراضية إلى درجة يصعب معها على غير المتخصص أن يميز بوضوح بين من يمارس نشاطاً وفق تأهيل علمي واعتماد قانوني مستوفٍ للأركان، وبين من يقدم نفسه للمجتمع بصفة مهنية براقة لا يملك ما يثبت مرجعيتها التشريعية. وهنا لا تكمن الأزمة الهيكلية في مجرد تشابه المسميات، إنما تتجلى في حجم المسؤولية المباشرة التي تترتب على الصفة التي يعلنها الإنسان عن نفسه أمام الجمهور والعملاء.
فالعمل في القطاعات الهندسية، والمعمارية، والتصميم، والتشطيبات التخصصية، لا يتوقف عند مجرد الامتلاك الشكلي للقدرة التنفيذية أو تراكم سنوات من الممارسة الميدانية المجردة؛ إذ إن كثيراً من المهام والمسؤوليات ترتبط بطبيعتها الفنية والتنفيذية بالتخصص الدقيق، والتأهيل المعاير، والاعتماد الترخيصي، وحدود الاختصاص التنفيذي التي ترسمها القواعد المنظمة لكل نشاط.
وهنا تحديداً تتجلى الفجوة الحاكمة بين الخبرة العملية والصفة المهنية المستوفاة.
قد يمتلك فرد ما خبرة ميدانية تراكمية حسنة في تنفيذ أعمال معينة، وهي خبرة عملية مقدرة لا ينبغي الانتقاص من قيمتها الميدانية بأي حال، بيد أن امتلاك الخبرة لا يمنح صاحبه تلقائياً صلاحية انتحال كافة المسميات المهنية أو ادعاء الصلاحيات القانونية والتنظيمية. كما أن اتخاذ المسمى التخصصي رداءً، أو تسويق الذات باعتبارها جهة استشارية أو هندسية معتمدة، لا يمكن أن يستحيل بديلاً شرعياً عن المستندات والتراخيص الرسمية التي تثبت حقيقة هذه الصفة فور اشتراط طبيعة العمل لذلك.
والجانب الأكثر خطورة وحساسية يكمن في تحول الظاهرة في بعض الأحيان إلى مسار صريح من إيهام العميل بامتلاك اختصاصات واعتلاء صفات لا سند لها من الواقع؛ وهنا يتجاوز الملف نطاق المنافسة التجارية في سوق العمل، ليستحيل قضية أمان وثقة تستوجب التدقيق الحازم؛ نظرًا لأن صاحب المشروع أو المواطن يبني قراراته المالية والهندسية المصيرية بناءً على صفة مُعلنة يفترض صحتها ونزاهتها.
وفي المقابل، فإن الوعي المهني المستنير لا ينبغي أن يندفع نحو توجيه الاتهامات العشوائية أو التشكيك الفوضوي في الذمم دون أسانيد قاطعة؛ فالوعي الصحفي والمؤسسي لا يقوم على التشهير والاندفاع، بل يتأسس حصراً على منهجية التحقق والتمحيص. فمن الحق الأصيل للعميل أن يطالع المؤهلات، والاعتمادات، والتراخيص ذات الصلة بالنشاط، ومن الواجب الإجرائي للجهات المختصة متابعة مدى توافق التقديم الفعلي مع الأطر التشريعية المنظمة للقطاع.
إن صيانة القطاعات المهنية والحفاظ على تنظيمها لا يعنيان إغلاق أبواب السعي أو مصادرة الخبرات العملية الميدانية؛ بل يهدفان بالأساس إلى إرجاع الأمور لنصابها الصحيح: فالصانع صاحب الخبرة ينشط في حدوده الميدانية المستحقة، والممارس ذو الصفة المهنية يثبت اعتماده بالوثائق الرسمية، والمؤسسة المرخصة تلتزم بالصلاحيات الممنوحة لها قانوناً.
فالعدالة المهنية لا تنشأ بمجرد الفوضى المفتوحة، وإنما تتكرس عندما ترتكز التنافسية على قواعد شفافة، يدرك فيها العميل والمواطن بدقة هوية الطرف الذي يتعامل معه، وحجم المسؤولية القانونية والفنية التي يحق له الانطواء تحت مظلتها.
وفي عصر رقمي أضحت فيه الصفة المهنية تُخط في ثوانٍ معدودة على بطاقات العمل أو صفحات وسائل التواصل الاجتماعي، يغدو التحقق المستندي والتدقيق الميداني فرضاً لا غنى عنه لحماية المجتمع وأمواله.
والحكمة التي تستحق أن تبقى معنا:
لا تحكم على الصفة من شكلها؛ فالاعتماد يُثبت بالوثيقة، والمهنة تُصان بالمسؤولية.
ملخص الموضوع ببساطة:
المقال بيتكلم عن الفرق بين “الخبرة الفردية” و”الصفة المهنية القانونية”، وخطورة كتابة مسميات مهنية بدون شهادات أو تراخيص بتثبتها.
فكرة المقال متلخصة في نقاط بسيطة:
* المظاهر بتخدع: في مجالات المبانى، والهندسة، والتشطيبات، صعب على المواطن العادي يفرق بالعين بين الشخص المؤهل والمرخص رسمياً، وبين اللي حاطط لنفسه مسمى كبير على كارت أو صفحة فيس بوك.
* الخبرة مش ترخيص: الشخص الفني صاحب الخبرة الميدانية شغلته محترمة ومقدرة، لكن الخبرة وحدها مش معناه إنه من حقه ينتحل صفة مهندس أو جهة استشارية مرخصة بدون سند قانوني.
* خطورة الإيهام بالصفة: الموضوع مش مجرد منافسة في السوق، ده ممكن يوصل لإيهام العميل بصفة غير حقيقية، وده بيخليه ياخد قرارات مادية وهندسية غلط تعتمد على صفة مزيفة.
* التحقق حق مش تشهير: الهدف مش إننا نشكك في الناس، لكن الوعي إن كل عميل من حقه يسأل عن التراخيص والاعتمادات، وكل جهة رقابية تضمن إن الشغل ماشي بالقانون.
* الخلاصة: تنظيم السوق بيحط كل واحد في مكانه الصح؛ صاحب الخبرة يشتغل في نطاقه، والمؤهل يثبت صفته بالورق، والمرخص يلتزم بحدوده.. الاعتماد بيثبت بالوثيقة، والمهنة بتتصان بالمسؤولية.





