
حديث الليل الصامت
بقلم الكاتبة نجوي رضوان
(نجاح رضوان)
أرخى الليل سدوله، وبسط السكون رداءه على الكائنان، تبدأ في أعماق النفس حكاية أخرى لا يدرك كنهها إلا من ذاق لوعة السهر. في تلك الساعات المتأخرة، حين تخفت الأضواء وتنام العيون، يبرز التناقض الصارخ بين سكون الكون الخارجي وصخب العالم الداخلي؛ فكلما اشتد هدوء الليل وسكنت فيه الحركة، استيقظت في القلب ضوضاءٌ لا تهدأ، واشتد فيه ضجيج الذكريات والآلام. إن هذا الهدوء الكوني ليس إلا مرآة تعكس صدى الأوجاع المكتومة، حيث تنطق النبضات بما عجزت الألسن عن قوله في وضح النهار.
إن ليل المحزونين ليس مجرد زمن ينقضي، بل هو اختبارٌ للصبر ومواجهةٌ مباشرة مع الذات. فحقيقة الأمر أنه لا يسهر الليل، ولا يعانق نجومه في انتظار الفجر، إلا من غرس الألم في قلبه نصلًا لا يرحم. فبينما يخلد العالم إلى راحة النوم، يجد المتألم نفسه وحيداً في ساحة المعركة مع أفكاره؛ فالحزن في الليل يصبح أكثر تجسداً، والهموم تكتسب وزناً أثقل، وكأن الظلام يغذي تلك الأوجاع ويمنحها صوتاً يتردد في جنبات الروح.
ومع ذلك، يظل هذا الليل برغم قسوته وضجيج القلب فيه، ملاذاً لا بد منه. فما الليل في جوهره إلا محطة توقفٍ ضرورية، تنفصل فيها الروح المرهقة عن جسدٍ أتعبته صراعات الحياة ومشاغلها. إنها اللحظات التي تحاول فيها الروح الهرب من قيد المادة، ومن ثقل المسؤوليات، ومن تزييف الابتسامات؛ لتبحث عن سكينتها الخاصة في خلوةٍ لا يشوبها رياء. هي رحلة ارتحالٍ معنوي، حيث يغادر الوعي تعب الجسد ليرتمي في أحضان الخيال أو في مناجاة الخالق، باحثاً عن فضاءٍ أرحب يتسع لهذا الكم الهائل من المشاعر المكتظة.
هكذا يظل السهر طقساً للمتعبين، ومحراباً للموجعين، حيث يلتقي الصمت بالضجيج، والجسد بالروح، في جدليةٍ أزلية لا تنتهي إلا مع أول خيطٍ من خيوط الفجر، الذي يعلن عودة الروح إلى سجن الجسد مرة أخرى، استعداداً لنهارٍ جديد ومواجهةٍ أخرى.





