مقالات

حادثة الهجرة والتخطيط لها

بقلم / محمـــد الدكـــروري
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، ثم أما بعد، إن المتأمل لحادثة الهجرة والتخطيط لها، يدرك حسن توكل النبي المصطفي صلى الله عليه وسلم على ربه، ويقينه أن الله تعالي حافظه وناصر دينه، وهذا التوكل لا ينافي الأخذ بالأسباب فقد شاء الله تعالى أن تكون الهجرة النبوية بأسباب عادية من التخفي والصحبة والزاد والناقة والدليل، ولكن لا يعني دقة الأخذ بالأسباب حصول النتيجة دائما، لأن هذا أمر يتعلق بأمر الله ومشيئته، ومن هنا كان التوكل واليقين والاستعانة بالله عز وجل، لتقتدي به أمته في التوكل على الله، والأخذ بالأسباب.
وفي قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه” يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه؟” فقال صلى الله عليه وسلم ” يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما” يقول الإمام النووي ” وفيه بيان عظيم توكل النبي صلى الله عليه وسلم حتى في هذا المقام، وفيه فضيلة لأبي بكر رضي الله عنه وهي من أجّل مناقبه” وفيه اثبات معية الله لخلقه فالمعية الخاصة بأوليائه وخلص أصفيائه بحفظه ونصره فهو مع الذين اتقو والذين هم محسنون ومع الصابرين أما العامة فهي لكل أحد “وهو معكم أينما كنتم” فهو مع خلقه بعلمه وأحاطته وسمعه وبصره سبحانه، وفي هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وقعت معجزات حسية، هي من أعلام نبوته، ودلائل ملموسة على فضله ومنزلته صلى الله عليه وسلم، وحفظ الله ورعايته له.
ومن ذلك ما جرى له صلى الله عليه وسلم مع أم معبد، وما حدث مع سراقة بن مالك ووعده إياه بأن يلبس سواري كسرى، ففي نزوله بخيمة أم معبد من المعجزة شيئا عجبا حيث دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم للشاة الهزيلة بالبركة ومسح عليها ثم حلب وشربوا، وكانت هذه المعجزة سببا في إسلام أم معبد هي وزوجها، ويصف أبو بكر الصديق رضي الله عنه ما حدث مع سراقة فيقول ” فارتحلنا بعد ما مالت الشمس وأتبعنا سراقة بن مالك، فقلت “أتينا يا رسول الله”، فقال صلى الله عليه وسلم “لا تحزن إن الله معنا” فدعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم فارتطمت به فرسه إلى بطنها، فقال “إني أراكما قد دعوتما عليّ، فادعوا لي، فالله لكما أن أرد عنكما الطلب” فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم فنجا، فجعل لا يلقى أحدا إلا قال “كفيتكم ما هنا”
فلا يلقى أحدا إلا رده، قال “ووفّى لنا” رواه البخاري، وقال أنس بن مالك رضي الله عنه “فكان سراقة أول النهار جاهدا أي مبالغا في البحث والأذى على نبي الله صلى الله عليه وسلم، وكان آخر النهار حارسا له بسلاحه” ومرت الأيام وأسلم سراقة بعد فتح مكة وغزوة حنين، وفتحت بلاد فارس وجاءت الغنائم في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأعطاه عمر سواري كسرى تنفيذا لوعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم هو عصمته من أعدائه، وهم الجم الغفير والعدد الكثير، وهم على أتم حنق عليه، وأشد طلب لنفيه، وهو بينهم مسترسل قاهر، ولهم مخالط ومكاثر، ترمقه أبصارهم شزرا، وترتد عنه أيديهم ذعرا.
وقد هاجر عنه أصحابه حذرا حتى استكمل مدته فيهم ثلاث عشرة سنة، ثم خرج عنهم سليما، لم يكلم في نفس ولا جسد، وما كان ذاك إلا بعصمة إلهية وعده الله تعالى بها فحققها، حيث يقول الله تعالي ” والله يعصمك من الناس”.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى