
إعداد : القيادي العمالي المستقل محمد عبدالمجيد هندي
مؤسس ورئيس المجلس القومي للعمال والفلاحين تحت التأسيس
حقوق الشعب المصري لا تعرف المجاملة
الحديث هنا ليس عن مجرّد أحجارٍ صماء، بل عن إرث حضاري يُكتب بعرق وجُهد آلاف السنين. تلك المسلات المصرية، التي أنارت تاريخ البشرية وتروي حكاية شعب لا يُقهر، تزين اليوم ميادين روما وباريس ونيويورك وغيرها من عواصم العالم، حيث يعرض الغرب بكل فخر ما نهبه من أرضنا، وكأن تاريخ مصر العظيم بات سلعةً تُباع في أسواق الحضارات. والمرارة الأكبر تكمن في صمت الدولة المصرية لعقود، وكأننا نتنازل طوعاً عن ماضينا. فهل يُعقل أن كنوزاً بحجم هذه المسلات تخرج دون تواطؤ ودون موافقات رسمية؟ ومن المسؤول عن خروجها، وعن تضييع هذا الإرث؟
أولاً: أمريكا – مسلة سنترال بارك في نيويورك
نبدأ من الولايات المتحدة، حيث تقف مسلة مصرية تاريخية وسط “سنترال بارك” بنيويورك، تعود لعصر الملك تحتمس الثالث، بطول يتجاوز 21 متراً ووزن يقارب 200 طن. نقلت هذه المسلة في القرن التاسع عشر وسط احتفالٍ أمريكي، وسط مباركة مصرية لا تليق بوطنٍ يفترض أنه يحمي إرثه. لقد نُقلت هذه المسلة تحت مبررات سياسية هزيلة تضعف أمام حقيقية أنها كانت جزءاً من كرامة هذا الشعب، والتي لا تُقدر بثمن. كيف سُمح بذلك؟ وأين كانت الدولة؟
ثانياً: فرنسا – مسلات باريس ومعالمها الفاخرة
1. مسلة ميدان الكونكورد – باريس نقف هنا أمام مسلة ميدان الكونكورد، إحدى المسلات الأضخم التي تعود لعصر الملك رمسيس الثاني، والتي كانت تُزيّن معبد الأقصر، وتروي أمجاد ملكٍ شيد الحضارة. نُقلت المسلة في ثلاثينيات القرن التاسع عشر لتصبح زينة ميدان الكونكورد، بدعوى “هدية” للدولة الفرنسية، وكأن تاريخنا يُهدى للغرب في هدايا مجانية، تنازلٌ أحمق عن تراث شعب لم يُخلق ليُباع. هذه المسلة كانت عنواناً لقصةٍ مؤلمة، حيث سمحت السلطات بتركها تزين باريس بدلاً من أن تبقى شاهدة على التاريخ بين جدران معبد الأقصر.
2. مسلات أخرى – الونتابلو، فنسان، أرل وبالإضافة إلى “الكونكورد”، هناك ثلاث مسلات مصرية أخرى تُزين المدن الفرنسية. الأولى في ساحة الونتابلو، التي نُقلت بمعرفة نابليون بونابرت بعد الحملة الفرنسية على مصر، والثانية تُعرض في فنسان، أما الثالثة فموجودة في أرل. كل واحدة منها جزءٌ أصيل من إرثنا الثقافي، تم تهريبها علناً أو تهريبها تحت مسمى “هدايا”، ونتساءل: كيف صمتت الدولة أمام هذا النهب العلني؟ وأين حُماة التراث؟
ثالثاً: إيطاليا – روما ومسلاتها المنهوبة
1. مسلة “لاترانيس” – تحتمس الثالث في روما، نجد “لاترانيس”، أضخم المسلات المصرية التي تعود لعصر الملك تحتمس الثالث، بطول يتجاوز 32 متراً. نُقلت إلى روما عام 357 ميلادياً بأمر الإمبراطور قنسطانطيوس الثاني لتزيّن معالم ساحة سان جيوفاني. هذه المسلة عانت من كسرٍ وسقوط، ثم أُعيد نصبها وترميمها. كيف نُسلب حقنا ونُحرم من إرثنا؟ وكيف باتت رموز حضارتنا مجرد زينة لعاصمة أجنبية؟
2. مسلة الفاتيكان – عصر أمنحوتب الثاني مسلة “الفاتيكان”، التي تعود لعصر أمنحوتب الثاني، نُقلت من هليوبوليس بأمر الإمبراطور كاليجولا، لتستقر في ساحة القديس بطرس. والغرب يتباهى بنقل هذه المسلات في مشهدٍ لا يحترم حق الشعوب في تراثها. هذه المسلات كانت وستبقى ملكاً لهذا الشعب، فكيف سمحنا بتركها تُسلب بهذه السهولة؟
3. مسلة “سولاري” – عهد بسماتيك الأول أما “سولاري”، التي تعود لعصر بسماتيك الأول، فتوجد اليوم في “بلاتزيو مونتيتشيتوريو” منذ عام 1792. إنها جزءٌ من حضارة نقلها القيصر أغسطس من هليوبوليس، وتركها هنا، شاهدة على خروجٍ مُذلٍ لآثار لا تستحق إلا أن تبقى بين أهلها.
4. مسلات أخرى – معالم الفيل والمعارك إيطاليا تملك المزيد من كنوزنا، فهناك مسلة “مينيرفيو”، ومسلة “دوجالى”، ومسلة “ماتيانوا”. كل واحدة منها تروي قصة مصرية، وتعلن عن إهانة تاريخية، حين أصبح تراثنا نهباً لنزوات الغرب.
رابعاً: بريطانيا – مسلة “كليوباترا” على ضفاف التايمز
في لندن، تقف مسلة “كليوباترا” شامخة على ضفاف نهر التايمز، وكأنها جزءٌ من تاريخ بريطانيا. هذه المسلة التي تعود لعهد الملك تحتمس الثالث، أُرسلت كهدية من مصر في زمنٍ غاب فيه تقدير التاريخ. كيف يُهدى تراثنا للغرب، ليصبح جزءاً من معالمهم؟ وكيف تسمح الدولة المصرية بأن يتحول مجدها إلى ديكور خارجي؟
رسالة من التاريخ: واجب الدولة أمام التراث المنهوب
إن هذا النهب الذي حدث خلال قرون طويلة لم يكن ليحدث لولا تواطؤ أو استسلام. كان يجب أن تكون المسلات رمزاً للمجد على أرض مصر، لا زينةً في ميادين أجنبية. هذه المسلات كانت شاهدةً على أمجاد أجدادنا، ولكنها الآن شاهدة على عجزنا عن حماية إرثنا.
كيف نقف مكتوفي الأيدي بينما تُعرض كنوزنا، وتحكي للعالم قصة حضارتنا في عواصم الغرب؟ هل نترك تاريخنا يُباع ويُهدى، بينما أجيال مصر القادمة تستحق أن ترى إرثها على أرضها؟
أين كانت الدولة في كل هذا؟ كيف تُباع كرامة مصر الحضارية بأبخس الأثمان، وأين دور الدولة اليوم في استعادة هذا التراث؟ إننا ندعو الدولة إلى التحرك فوراً، لاستعادة ما يمكن استعادته، وتقديم حساب شفاف عن كل قطعة خرجت، والتعامل مع هذا الملف بقوة وحزم دون تهاون أو خوف.
خاتمة: صرخة أجيال نحو المستقبل
لقد آن الأوان لاستعادة كرامتنا الحضارية، فالمسلات ليست مجرد أحجار، بل هي تاريخٌ يمضي في عروق كل مصري. هذه الآثار يجب أن تعود، وأن تظل شاهدة على أرضها، لتروي حكاية مصر العظيمة في مكانها الطبيعي. لا ينبغي أن يبقى الأمر مجرد تاريخٍ مسروق يزين دول الغرب، بل واجبٌ علينا أن نطالب بعودتها، وأن نقف أمام كل من ساهم في ضياع تراثنا.



