
تصفية حساب
قصة: محمد سعد شاهين
في منتصف الصالة، وقف بثبات غير معتاد، عينيه تجولان بين الوجوه الجالسة حول طاولة الطعام. كان المشهد غريبًا؛ أطباق فاخرة تملأ الطاولة، أصناف لم يسبق أن أعدها في منزله، كان واضحًا أنها جاءت من مطعم راقٍ.
تنفس بعمق قبل أن يبدأ حديثه:
“أشكركم على حضوركم اليوم، أعلم أنكم مشغولون، لكن هذه الدعوة كانت ضرورية.”
لم يكن صوته مهتزًا كالمعتاد، بل بدا هادئًا، واثقًا، مستمتعًا بما يقول. التفت إلى أول الجالسين، رجل في أواخر الخمسينات، يجلس في سكون غريب، وجهه جامد لا يعبر عن شيء.
“حاج محمود، أعلم أنك توقعت أن أطلب منك أن تعيد زوجتي وأطفالي إليّ، أن أتوسل إليك، أن أطلب المغفرة. لكنني أدركت أخيرًا أن قلبك لا يعرف الرحمة، أنك كنت السبب في انهيار زواجي منذ البداية.”
لم يتغير شيء في ملامح الرجل، وكأن الكلمات لم تمسه. تجاهل ذلك وانتقل بنظره إلى الرجل الجالس على يساره، صفق ببطء، صوته مشوب بسخرية واضحة.
“رئيسي العزيز، ومعك خليفة، العصفورة التي لا تكف عن نقل الأخبار. أراهن أنكما تعتقدان أنني استدعيتكما لأقبل بالرشوة وأمرر صفقتكما القذرة.”
تنهد بعمق، مسح وجهه بكفه وكأنه يزيح عن روحه عبء سنوات من القهر.
“تحملت طغيانكما طويلًا، تحملت الإهانات والضغوط. لكن اليوم، شكرًا لحضوركما.”
وأخيرًا، نظر إلى الرجل الأخير، صاحب المنزل، الذي بدا عليه التوجس.
“حاج منتصر، لا تقلق. سأرحل كما أردت، لن أسبب لك مزيدًا من الإزعاج. زوجتي وأطفالي غادروا، وسأترك لك هذا المكان بلا رجعة.”
ساد الصمت للحظات، نظر إليهم جميعًا نظرة طويلة قبل أن تنفجر ضحكته، كانت هستيرية، متقطعة، لكنها لم تكن بلا معنى.
“هل استمتعتم بالطعام؟ هل امتلأت بطونكم؟ هل بدأ السم يجري في عروقكم؟ آه، كم أحببت محمد علي حين قضى على المماليك في القلعة! أذكر كيف صَفَّقت له وهو ينهي أمرهم كأنهم مجرد حشرات!”
لم يكن بحاجة إلى سماع الرد، فقد كانت أجسادهم تتهاوى أمامه، عيونهم تتسع في رعب، أنفاسهم تختنق، حتى لم يبقَ منهم سوى جثث هامدة، بلا حياة، بلا جشع، بلا قسوة.
“كنت أتمنى لو أضفت إلى قائمتكم آخرين، لكنهم محصنون في مكاتبهم المكيفة وسياراتهم الفاخرة. سحقوا حياتي دون أن يدركوا أنني موجود أساسًا.”
تراجع للخلف، ابتسم ابتسامة هادئة، ثم تنشق الهواء بعمق.
“لا تقلقوا، لن أترككم ترحلون وحدكم.”
رفع يده مشيرًا إلى مصدر الرائحة النفاذة التي بدأت تملأ المكان.
“إنه الغاز. سينتشر سريعًا. سنغادر معًا.”
أخرج قداحة من جيبه، أشعلها ببطء، تأملهم للمرة الأخيرة، ثم أسقطها.
واهتز الحي بأكمله.





