أدب

الوجه الآخر لأحمد مراد، دراسة نقدية في رواية أبو الهول

منى عبد اللطيف

الوجه الآخر لأحمد مراد، دراسة نقدية في رواية أبو الهول
بقلم منى عبد اللطيف

منذ عدة أيام تمت دعوتي لحضور حفل التوقيع الأول لرواية أبو الهول للكاتب أحمد مراد، مما أثار بداخلي الحماسة لما أحمله من إعجاب بمسيرة الكاتب وقلمه الذي ورغم الهجوم الغير مبرر من الكثيرين عليه إلا أني أحترم إرادة الكاتب الحرة وعدم انسياقه مع التيار فنحن نكتب لأنفسنا قبل كل شيء فالكتابة فن والفن لا يخضع لقوانين وأحكام بل هو حر متجرد من كل شيء عالم من الخيال يتفوق على الواقع، يتحداه، يغضبه، بل وكثيرًا ما يقتاده للجنون ومن باطن الجنون تولد العبقرية كما حدث في أبو الهول…

ولكن قبل أحدثكم عن رواية أبو الهول سأتحدث عن حفل التوقيع الذي لم يكن يشبه أي حفل توقيع حضرته من قبل، بل يختلف تمام الاختلاف ويتفوق تمام التفوق جهد مبذول واضح وتنظيم واحتفاء بالحضور وبالكاتب،

مقالات ذات صلة

حين خطوت أولى خطواتي داخل القاعة وجدت عدة بنات يعرضن أن أكتب على ظهر شكيب الذي يتوسط الغرفة ورغم الإغراء رفضت من شدة الزحام فأنا أختنق وسط الزحام كنت فقط أريد أن أعثر على مقعد وسط الحضور لأستريح وأنظر لذلك العالم وأفكر وأحلم والأهم كنت أريد أن أسمع مراد وحديثه عن أبو الهول وأقارن ما يقوله بما اكتشفته بين صفحات العمل كتحدي خاص أصنعه مع عقلي المقربين مني يعلمون عنه فأنا عادة بعد القراءة أكون فكرة بمنظور خاص بي عن العمل وأراهن نفسي هل يتفق مع فكر الكاتب أم يختلف وهنا تكمن المتعة التي تلي رحلة القراءة،

الوجه الآخر لأحمد مراد، دراسة نقدية في رواية أبو الهول

ولكن كان بداخلي هاجس مخيف ربما لتجربة سيئة مضت مع أحد الكتاب الذي لم يكن بيننا سابق معرفة من قبل وحضرت إحدى ندواته وحين بادرت في نقاشه عن العمل تضايق وتعامل مع الأمر بمثابة ثأر أنتهز الفرصة بعدها للأخذ به لكن لم يوفق… إلا إنه خلق بداخلي شيء من القلق فهو ليس بحجم مراد الذي يعتبر من عمالقة النجاح،

فتُرى هل سيتقبل رأيي ونقاشي أم ماذا؟

وانتظرت أثناء الندوة دوري في النقاش ليأتي لكن ولكثرة الحضور المحب للكاتب لم يسعني الوقت، والحديث عن الرواية لم يشبع فضولي… لذا وبعد انتهاء الندوة وبداية التوقيع لحقت بطوابير الحضور وتبدل قلقي لاطمئنان لما وجدته من مراد فدخوله وحديثه وابتسامته التي لا تفارقه وإن واجه نقد وتواضعه ومحبة أصدقائه الصادقة وذكائه الاجتماعي الملحوظ كل هذا جعلني أتشجع، وحين وصلت اكتشفت إني نسيت أن أحضر الرواية معي بل أحضرت ثلاثيتي كهدية لكاتب كان من أسباب عدم توقفي عن الكتابة فحين قرأت كتاب القتل للمبدئين كنت في حالة سيئة من الإحباط ولكن حين قرأت عن رحلته التي لم تكن أبدًا سهلة شيء بداخلي أخبرني (لو مراد بجلالة قدره تعب كل ده وواجه كل ده قبل ما يوصل ووصل يبقى الوصول مش مستحيل) وبدأت بعدها كتابة العنقاء وهي أولى أجزاء ثلاثيتي يودايمونيا، لذا وجب الشكر…

المهم، أهديت الثلاثية للكاتب الذي ورغم الزحام قبلها باهتمام وبعثها لأحدهم حتى لا يفقدها، وسألته سؤال عن أبو الهول فأجاب وكانت إجابته منافية لاعتقادي لكنه لم يرفض السؤال بل أعجب به وشعرت بلمعة لسبيل مختلف أو لفكرة ما لكنه شعور لا أعلم حقيقته، بعدها أخبرته إنني جهزت العديد من الأسئلة حول العمل وببساطة قال لي (طيب نشوف ممكن نعمل ندوة) والحقيقة إني لم أصدق ما سمعت فقلت له (طيب أنا هكتب رؤيتي النقدية وهبعتلك وقل لي رأيك) ومضيت وأحدهم يصرخ بعقلي (هو أنتي مش هتبطلي عبط كنتي قوليله ياريت نعمل ندوة) فأزاحته طفلة كانت تلهو قبلها وصمتت فور بداية حديثي مع مراد وها هي عادت أخيرًا تقفز فرحًا مرددة بصوت مارد وشوشني لما طلع في التليفزيون (أنااا قابلتت مرااااد) فقفزت معها وتجاهلناه كعادتنا…

وبالطبع لم تنتهي الرحلة عند تلك النقطة لكني سأكتفي بهذا القدر وابدأ العمل…

الوجه الآخر لأحمد مراد، دراسة نقدية في رواية أبو الهول

فهيا بنا نرتحل إلى أبو الهول (المذكرات الممنوعة من النشر لسليمان السيوفي):

بداية دعونا نتحدث عن الغلاف الذي جمع بين اسم أبو الهول وطبق مكرونة اسباجيتي بوجه متمرد وعينان من الزيتون وكان أول سؤال تبادي بعقلي حين رأيته،

(ما علاقة أبو الهول بالمكرونة الاسباجيتي؟)

وكانت إجابتي الخاصة بعد قراءة الرواية إن المكرونة الاسباجيتي ترمز لفترة تواجد الإيطاليين بمصر كرمز لهم ورمز أيضًا لإضطراب الحياة العقلية لصاحب المذكرات كطبق المكرونة الاسباجيتي بخيوطه السميكة المتداخلة ووجهه الصارخ الذي لا يحتمل ذلك الزحام وعينيه الزيتونيتين التي لا ترى كل هذا الضجيج والتداخل بل لها رؤية خاصة بصيرة تحمل منظور آخر تسبب في هذا الضيق والضجر الذي لا ينبع من الحقيقة…

أما اسم الرواية وهو أبو الهول فقد فسرت سببه وسأحدثكم عنه حين أقص عليكم رحلتي داخل العمل.

حين بادرت في قراءة الرواية أعجبت بالمقدمة حيث فصل الكاتب نفسه عن شخصية الرواية أو بمعنى أدق المذكرات فكاتبها ليس أحمد مراد بل هو سليمان أفندي السيوفي، ليأتي بعدها التنويه وينهي الجدل فاللجنة تخلي مسئوليتها عما ورد بالمذكرات…

وهنا وجدت نوع من التجديد والتطور أعتقد كان لاتصال الكاتب المباشر بالسينما دور هام في إضفاء تلك اللمسة السينمائية فخلق بوابة للعمل تأخذك من بدايته وتفصلك عن الكاتب وكل المؤثرات والتوقعات التي بنيتها مسبقًا داخل عقلك تجاه أحمد مراد فلقد أقر أنه ليس الكاتب وصنع كادر وبداية وإجراءات وتنويه يؤهلك نفسيا لما هو آت ويشعل بداخلك نيران الحماسة لاكتشافه…

الوجه الآخر لأحمد مراد، دراسة نقدية في رواية أبو الهول

لتبدأ رحلتي داخل أبو الهول تلك المذكرات التي سردها سليمان بأسلوب السجع مما أضفى نغمة ترددت بعقلي أثناء القراءة فالمسجوع هو من الأساليب المفضلة بالنسبة إلى ويذكرني بألف ليلة وليلة والكلمات المنغمة الرائعة وعلى عكس ما يردده البعض ويخلو من الحقيقة فهذا الأسلوب ليس بالبسيط أو السهل ولا يتقنه أي كاتب خاصة إذا طرح داخل عمل روائي تخطى الثلاثمائة صفحة فهنيئا لك يا سُلم على براعتك ونباهتك وسردك الرائع؛

من الملفت للنظر أيضًا والممتع داخل العمل هو كم المعلومات والألفاظ التي تنتمي لتلك الحقبة الزمنية والمشاهد التي رُسمت ببراعة فشعرت وكأني انتقلت لتلك الحقبة بآلة الزمن وبين يدي كتالوج شرح يفسر لي كل شيء في رحلتي بين صفحات حياة سليمان وتخبطي بين شذوذ عقله الذي صنع عالمًا مختلفًا تضافرت فيه الفانتازيا مع الواقع ليصنعوا دوامة حية تسحبك من واقعك الخاص لداخلها فلا تغادرها إلا حين تنتهي منها أو تنتهي هي منك…

ومن وجهة نظري أن أبو الهول هي عودًا حميدًا جدًا لأحمد مراد بل هي أفضل ما كتبه بعد الأصليين حتى الآن فعلى الرغم من أن الأصليين فيلم وليست رواية إنما بها عبقرية شديدة ورغم اختلاف الأصليين عن أبو الهول إلا أنهم أفضل أعمال الكاتب بالنسبة لي…

ومن الملفت الاندماج التام والغوص بل التوحد مع شخصية سليمان السيوفي ليس فقط من خلال السرد الذي تحدثت عنه مسبقا والذي يختلف عن الأسلوب السردي المعتاد للكاتب فهي مذكرات حقيقية الراوي فيها الأنا (كاتب المذكرات شخصية سليمان السيوفي) والراوي العليم وهو أيضًا (سليمان السيوفي) من خلال حديثه ووصفه لبقية شخوص وأحداث الرواية (المذكرات)،
وهو ليس باليسير وفيه نضج حقيقي لقلم الكاتب…

الوجه الآخر لأحمد مراد، دراسة نقدية في رواية أبو الهول

وهنا يأتي دور تصاعد الأحداث:

– قرأت عدد لا بأس به من الروايات التي تتحدث عن مرض نفسي ما وطبعًا بطل الرواية هو المصاب بهذا المرض لكن لم يرضيني أو يشبعني كقارئة سوى شخصية سليمان السيوفي برواية أبو الهول وإليكم التفاصيل؛

– المرض النفسي لسليمان هو جنون العظمة الذي تطور ليصل به حد الانفصام، وكما نعلم أن سليمان هو قاتل متسلسل لكنه لا يعي ذلك…

– إذا قرأتم في علم النفس عن مرض جنون العظمة فمن أسبابه صدمات الطفولة أو الاضطرابات الأسرية في الطفولة أو في مراحل متقدمة من العمر(وقد نوه الكاتب عن ذلك من خلال ثلاث نقاط هم الأهم من وجهة نظري في بناء شخصية سليمان)

• النقطة الأولى : هي والدة سليمان وزيجاتها التي ربما لم تكن زيجات وهذا ستدركونه من خلال الأحداث منعًا للحرق.
• النقطة الثانية : وهي طرحت سهوًا لكنها لم تمر بالنسبة لي مرور الكرام وهي الجارة التي انتهكت براءته رغم صغر سنه حين جلس على ساقيها في أحد الأفراح ولم تتركه لشأنه بعدها وأعتقد إنها أولى ضحاياه وهذا من خلال وجهة نظري الخاصة.
• النقطة الثالثة : هي طرق العلاج البدائية المتطرفة حين دخل لأول مرة لمشفى الأمراض العقلية وقد تركت تلك العلاجات القاسية أثرًا بيّن في نفس سليمان وربما وهذا أيضًا من وجهة نظري قد أثرت على قدرته الجنسية التي بالغ في وصفها بمذكراته.

– مراحل تطور المرض حتى ظن في نفسه النبوة بل وكتب إنجيل خاص تعددت أسفاره وتشتت هويته العقائدية فهو يرسم الصليب ويتحصن بالآيات القرآنية وبالترانيم المسيحية وهذا إن دل فيدل على ذوبان هويته بين شخوصه الحية حوله وبعقله فالانفصام هو واقع سليمان ويصعب أن تميز بين ما هو من نسج خياله وما هو حقيقي ليس مستحيل لكنه صعب خاصة أنه يصدق كل ما يراه ولا يدرك مرضه وتلك هي مذكراته أي سره وحوار عقله، (لذا فبكل صدق وإعجاب أقر أن أبو الهول رواية لم تُكتب للقارئ العادي بل للمثقف الذي يقرأ بدقة ولا ينساق خلف الأحكام) وبالحديث عن الأحكام فمن بعض الانتقادات التي وجهت للرواية هي (الرغي الكتير والاسترسال في الحديث) وهذا الانتقاد يعد دليل قاطع على ما أقول حيث أن من أعراض جنون العظمة المبالغة في الحديث والاسترسال وعدم التوقف وتضارب الأقوال أثناء الحديث وهنا نجد أن هذا الانتقاد ما هو إلا ثناء على دقة الكاتب وثقافته.

الوجه الآخر لأحمد مراد، دراسة نقدية في رواية أبو الهول

– من الملفت أيضًا ويبرز ثقافة الكاتب هو دقة التشريح داخل الرواية والشرح الذي عكس فهم حقيقي واستذكار واحترام لعقلية القارئ.

– وربما قد لاحظت شيء لا أعلم هل من قرأ أدركه أم لا فانسيابية السرد وطبيعيته وصدقه يجعلك تندمج داخل العمل وربما تغفل عن بعض النقاط، الشيء الذي أتحدث عنه هو الخراج أسفل رأس سليمان وعلاقة خلطة سليمان للفحولة به، وعلاقتهما بغياب ذاكرته لأيام…

– رمزية الرقم 7 داخل العمل الذي له العديد من الدلالات من بينها الكمال… وهو رقم مبارك يحمل قدسية وقد تم طرحه في عدة مواضع كل موضع يحمل تفسير مختلف وربما ساخر أو معاكس لما يبدو عليه (كالسبع حسنات).

– ومما لفت نظري داخل العمل هو المرور الخاطف على نظرية الماسونية وعلى عكس معظم الكتاب لم يركز أحمد مراد عليها أو يحاول طرح نظريات المؤامرة من خلالها بل فقط مر عليها معللا مروره وعدم تعليقه بأن لم يثبت عليهم شيء، لكنه لم يتوقف عند هذا الحد وهنا أجزم باختلافه فهو لا يبحث عن التبجيل بل يطرح عقيدته الخاصة حين تطرق للهول الأكبر وهو نظرية التفوق النوعي وقد تناولها بمنظور غير ديني لكني قرأت عنها وللعلم هي ليست نظرية جديدة بل هي قديمة لكن حركتها وظهورها خافت ذكي ومن قرأت كتابه عن تلك النظرية هو د. عبد الصبور شاهين وقد طرحها بأدلة دينية من خلال كتابه (أبي آدم) وهو موضوع شائك يطول الحديث عنه لكن ببساطة شديدة أن هناك إنسان وهناك بشر الإنسان هو الحاوية البشرية التي تحوي روح الله أما البشر فيخلون من الروح، فالإنسان هو السيد القائد المبجل والبشر هم محض أوعية خالية أقل ذكاءً من الإنسان وأكثر تطورًا بكثير من الحيوان حيث البشري هو الخادم الأمثل لسيده وهي ليست نظرية خاصة باليهود فقط ولا بالألمان فقط بل إنها نظرية عامة وفيها شيء كبير من الحقيقة والمستقبل متربص بكثير من الغموض والخطورة التي هي جزء لا يتجزأ من الصحوة التي حدثت لتلك النظرية في الوقت الحالي فأنا أؤمن جدًا بعبقرية الوقت وألحظ الإشارات…

♦فتُرى ما علاقة تلك النظرية بتطور جنس الإنسان؟
♦ومن هم المبجلون، وما علاقتهم بالملائكة الحارسة؟
♦وتُرى هل لأبو الهول دور في كل ذلك؟
♦وما صلة الجرائم بآمون الإله الخفي صاحب الكمال المُطلق؟
♦وما صلة أبو الهول والقرابين والمعبد الذي أمامه بعلاقة الابن بأبيه وصقر حورس والملاذ؟
♦وهل أنف جعجو وعين الغجرية يحملوا رمزية معينة؟ (لقد فسرتهم على أن أنف جعجو هي أنف أبو الهول المفقودة وعين الغجرية الكاشفة هي عين حورس، لكن الكاتب لم يتفق معي فتُرى ما وجهة نظر من قرأ العمل؟)
♦والأهم ماهية مثلث سليمان، وهل هو مريض حقًا، أم أن جنونه أسفر عن نبوغ؟
♦وهل يؤمن الكاتب بمقولة (كل متوقع آت)؟

(فلا تدعوا أبوا الهول تنسيكم يحيى الذي تحققت مخاوفه، ولا تدعوا يحيى يلهيكم عن طوفان سليمان 11 يوليو 1882م الذي تحقق حيث حمل الأسطول الإنجليزي الذي ضرب الإسكندرية)

★وأخيرًا أشكر الكاتب الأستاذ أحمد مراد على هذا العمل القيم الأكثر من رائع والذي يحوي بين صفحاته الكثير من الأسرار وفي شوق وانتظار للعديد من الأعمال الأدبية والسينمائية المتميزة والنجاحات المُلهمة، وأتوجه بشكر خاص لمكتبة كليب على الدعوة الرائعة وأتوجه بخالص تقديري وإعجابي بإدارة مدينتي على جهدهم المثمر في إعلاء قيمة الثقافة والإنسانية.

الوجه الآخر لأحمد مراد، دراسة نقدية في رواية أبو الهول

الوجه الآخر لأحمد مراد، دراسة نقدية في رواية أبو الهول

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى