
النبي صلاح
كتبه: أمير عادل
منذ الأمس ولا حديث يعلو بمواقع التواصل الإجتماعي في مصر سوى الحديث عن صلاح التيجاني شيخ الطريقة التيجانية وتابعيه ومريديه، وصدمة البعض في بعض مريديه من المثقفين والفنانين.
وفي الحقيقة ليست هذه المرة الأولى التي يدعي فيها أحد الأشخاص امتلاكه لبعض الكرامات وطلب الطاعة والولاء له من مريديه، بل تطور الأمر أحيانا حد ادعاء البعض منهم للنبوة، ودائما وأبدا ما كان يكون لهم الأتباع من طبقة المثقفين والمشاهير.
وعلى ذكر صلاح التيجاني فلينا شخص آخر من القرن الماضي قام بادعاء النبوة وتبعه الكثير من المتعلمين أطباءً ومهندسين وغيرهم، بل أنه هو نفسه كام طبيبًا، وللمصادفة كان أيضًا اسمه صلاح.
وحديثنا اليوم عن صلاح شعيشع، أو كزا أطلق عليه تابعيه “النبي صلاح”
شخصية غريبة جدا, مختلف (أو متخلف!) أيهما أقرب, أحد مواليد مدينة الاسكندرية عام 1922م. توفي والده بعد ولادته مباشرة.
اشتهر بالاستهزاء بكل أصدقائه ومن حوله, ويرجع هذا لطوله الفارع وجسده القوي جدا, التحق بكلية الطب وتفوق بها, ولكن بسبب لسانه المنفلت لم يتم تعيينه كمعيد بالجامعة, بل تم تعيينه بالصحة المدرسية.
بعدها شعر أن هذا العمل ليس مناسبا لقدراته فقام بتقديم استقالته, وقام بأخذ شقة بمنطقة محرم بك وجعلها عيادة للأمراض الباطنة, لكن لم يكن العمل علي ما يرام في بادئ الأمر.
ليقوم بعدها بتغيير التخصص بنفسه وجعلها عيادة نساء وتوليد!, وتخصص بعمليات الاجهاض وصنع منها ثروة كبيرة جدا.
وبالصدفة تعطلت عربته بأحد الأيام, ليذهب بها إلي الميكانيكي كأي شخص, وأثناء وقوفه لدي الميكانيكي, وأثناء حوار جانبي حتي الانتهاء من تصليح السيارة قال له الرجل:
“يا دكتور صلاح, أنا الاسبوع اللي فات كنت ملبوس, ورحت لواحد في كرموز اسمه محمد الدجال”
استغرب الدكتور صلاح, وقال له:
“مفيش حاجة اسمها دجل, وان الراجل دة بينصب عليك”
أجابه الرجل:
“طيب مادام نصب عليا, تعالي معايا وهات لي منه السبعة جنيه”
دكتور صلاح قاله:
“طيب يلا قفل العربية ويلا بينا”
وصل صلاح لدي محمد الدجال, وبدون سلام أو سابق كلام قال له:
“بقولك ايه, هات السبعة جنيه”
لينظر له الرجل بنظرة كلها مكر ودهاء, وقال له:
“ماشي, هديك السبعة جنيه, لكن لو انت عرفت اللي في ايدي دة هتديني انت عشرة جنيه”
فأجاب صلاح بكل تكبر:
“ايه يعني اللي في ايدك؟”
قال له الدجال:
“دة كتاب 15 صفحة, بيتكلم عنك انت ومراتك وكل أهل بيتك”
وقرأ له الرجل كل حرف بالكتاب والذي كان صحيحا بالفعل, ليتفاجئ صلاح والميكانيكي وكل من حولهم بهذا الأمر.
ظل صلاح بعدها ملازما لهذا الرجل لمدة خمس سنوات, واتجه صلاح للصوفية لكن لم تكن علي هواه, فحاول أن ينشئ طريقة جديدة يضم بها كل أصدقائه والمقربين له.
لكنهم كانوا يبتعدون عنه لما رأوه عليه من تغير, أما عيادة الاجهاض فقد انتشر صيتها بالإسكندرية , وبدأت السيدات تتحدث عن تحرش صلاح بهم داخل العيادة, وتم اتهامه في خمس قضايا اجهاض غير مشروع.
ولكن لم يكن صلاح سعيدا بما يحدث, فقرر أن يترك مهنة الطب ككل, واتجه لشيء غريب أكبر حتي من الدجل والشعوذة, اتجه لما يري أنه يحقق له ذاته, حب النفس والزعامة فاتجه “لادعاء النبوة”.
دخل صلاح بيته ونادي زوجته فقال لها:
” أنا نبي, وسيدنا محمد (ص) مات جسديا وروحه حلت في صلاح.”
وبدأ بالفعل يناديها خديجة علي أمل أن تكون أول من يؤمن به ويساعده, الأمر الذي ثار دهشة زوجته واستغرابها, فقالت له:
“صلاح, انت بتكفر؟”
فقال لها:
“أنا بكفر؟! طيب انت طالق”
ليقوم بتطليق زوجته والزواج من الممرضة الخاصة به, والتي أقنعها أنه نبي, ليحاول بعدها نشر فكرته بمحرم بك لكنه فشل.
فاتجه للأحياء الفقيرة والمعارف القديمة, فكان كل من يؤمن به يقوم بتبشيره بالجنة, ويشطب له كل معاصيه.
بدأ تفسير القرآن كما يريد, فأباح لنفسه كل ما يريد وبلا حدود, قام بإلغاء الصوم والصلاة, وقام بتسمية هذه الطريقة بالطريقة “الصلاحية الشاذلية”.
في أوائل الثمانينات زاد صيت دكتور صلاح وارتفع وأصبح له أتباع, وفي أثناء سيره بأحد الأيام رأي أحد الأصدقاء القدامى, والذي كان يدعي دكتور أحمد, والذي كان متزوجا من دكتورة شديدة الجمال كانت تدعي دكتورة نشوي وتعمل كطبيبة أسنان.
فأقنعهم صلاح بفكرته, وأقنعهم أيضا أن يقيم معهم في شقتهم بمنطقة سيدي جابر, وقام بتسمية هذه الشقة “الساحة”, وأنه من هنا ستبدأ دعوته “الصلاحية الشاذلية”, وطلب من الناس أن تأتي له يوم الاثنين والخميس.
أما الدكتورة نشوي زوجة الدكتور أحمد فأصبحت الخادمة الخاصة لصلاح, وأصبح يقوم معها بعلاقة محرمة أمام زوجها وأسماها أم المؤمنين!
قام صلاح بتقسيم أتباعه لفريقين هما “الملوك” و “الصعاليك”, الملوك هم من أمنوا به منذ أن بدأ دعوته, وكانوا يأتون إليه يوم الاثنين ويقومون بتنفيذ كل ما يأمر به
أما الصعاليك فهم من امن به واتبعه فيما بعد, وكانوا يأتون يوم الخميس ومعهم أيضا الملوك الذين لا غني عنهم.
فكانت الساحة عبارة عن غرفة كبيرة واسعة يجلس به صلاح علي أريكة مرتديا قفطان أبيض, يجلس الملوك في الأمام ومن خلفهم الملوك.
لم يقتصر الأمر هكذا بل قام باستحداث ما يسمي بالقبلة الصلاحية وهو التوقير بالتقبيل, فأي رجل يدخل لصلاح كان يجب أن يقبل يده مرة, ويقبله من شفتيه ثلاث مرات.
أما النساء فكان لهم النصيب الأكبر, أقل واحدة كانت تقوم بتقبيل صلاح ثلاث وعشرين قبلة علي شفاهه, وإن أعجبته إحداهن فكان يقوم بتقبيلها لأكثر من ثلاث دقائق.
فكان يتعجب الملوك في هذا الحين, ويسألوه: ما هذا؟
فكان يقول:
“دي القبلة الصلاحية يا أسيادنا”.
دخول التلاميذ علي صلاح كان يتم بالاستئذان, أن تضع يدك علي فم المعدة كالصلاة تماما وتقوم بمناداته, فيجيب هو بأي كلام, فترد أنت قائلا “الله يا سيدي”.
كان يجتمع صلاح بأتباعه ويقول لهم أنه سيقوم بتحضير السيدة زينب, يبدأ بترديد أي كلام غريب ثم يقول لهم:
“الست حضرت”
فيدخل ليتحدث معها, ثم يعود لنقل كلامها لكل الحاضرين, كانت محاضراته دائما عبارة عن تحريف بتفسير القرآن وتفسيره حسب هواه, أو افتراء علي النبي (ص).
ومن أشهر أقواله أن محمد لم يمت وانكم أحباب حضرة النبي, وأنتم تعلمون أنه عاد في صورة صلاح, وما فائدة الحج والعمرة مادام حضرة النبي موجود بينكم بالإسكندرية. فبدلا من الذهاب للحج لمحمد القديم.. أنا هنا أمامك,
كان الوحي بالنسبة له هو أحلام الملوك التي كان يجلس لتفسيرها ويسميها تنزيلات, وكان يأمر اتباعه بكتابتها علي هوامش المصحف وقراءتها وحفظها وسط القرآن الكريم.
أقوي تنزيلات كانت شيء يدعي “تنزيلات نشوانا”, وهي رؤية الدكتورة نشوي أنها رأته برؤية لذا أسماها أم المؤمنين.
حتي أنه قام بتأليف أبيات لها يقول فيها:
” إن حب نشوانا هو اليقين… ولان من خلق نشوانا لا نأخذ منه إلا ما هو ريحان وياسمين… إلخ!”
كان الشيخ صلاح يفرض جزية علي أتباعه, إتاوات بالألاف, وكان يتولى هذا الأمر أحد الملوك ويدعي عبد العظيم.
والذي كان يعمل مدير حسابات لشركة غزل بالإسكندرية, وكان أحد أول المؤمنين بصلاح, فكان يضع الأموال في حساب يدعي “رأس مال الدعوة”
كانت هذه الأموال يستخدمها صلاح بتجارة الحديد والإسمنت ويأخذ كل الأرباح لنفسه, عدا 10% يقوم بتوزيعها علي أحبابه تحت مسمي “النفحات”, والتي قام بتقسيمها لقسمين, قسم فلوس, وقسم بوس.
فمن كان يرضي عنهم كان يعطيهم ملاليم, والاخرين يعطيهم بوس, الأغرب أن أتباعه كانوا يحبون البوس أكثر.
فكان المؤمن به يترك زوجته يتم تقبيلها, وإن وصلت القبلة لحد الجماع فكانت تكون فخورة جدا فتذهب لتقول لزوجها:
“أنا كنت في حضرة النبي صلاح”
في أحد الجلسات رفضت أحد السيدات تقبيل صلاح الثلاث وعشرون قبلة, مما أشعل غضبه فأمر زوجها أن يطلقها, فطبعا طلقها الرجل لإرضائه.
كل هذا في كفة, وعيد ميلاد صلاح لا يقارن, فكان يعتبر المولد النبوي بالنسبة لأتباعه.
كان ينام الشيخ صلاح بفراشه, وتدخل له السيدات فتقوم بتقبيله بكل مكان, وكانوا يضعون له الهدايا علي جانبي السرير, فكان يقوم صلاح من النوم ويقوم بتصوريهم فيديو أثناء هذا, وكانت ترقص السيدات مع الرجال رقص شرقي حتي الفجر!
وفي عام 1985م بعد مراقبة الشيخ صلاح وأتباعه تم القبض عليهم جميعا, وأصبحت واحدة من أشهر قضايا فترة الثمانينات حينها.
وصل صلاح لمرحلة من السيطرة علي عقول أتباعه بنسبة 100%, بالرغم من وجود متعلمين ومثقفين بينهم, حتي أنه أثناء تحقيقات وكيل النيابة مع الأتباع حينما ذكر اسم صلاح كانوا يرددون: “صلي الله علي صلاح”.
أثناء التحقيق مع نشوي أصرت علي أنه نبي رغم كونه طبيبة متعلمة ومثقفة, ودافعت عنه باستماته, كل من تم التحقيق معهم تحدثوا عن رؤي رأوا بها صلاح مع النبي (ص) لهذا قاموا بتصديقه.
وقتها أصدر الأزهر الشريف بيانا شديد اللهجة بتكفير صلاح بعد سماع الأقوال ومشاهدة شرائط الفيديو, والمطالبة بتوقيع أقصي العقوبات عليهم جميعا من قبل المحكمة بتهمة الارتداد عن الاسلام.
تم الحكم علي صلاح بخمس نوات سجن, ونست الناس قضيته التي كانت أشهر قضية لادعاء النبوة بتاريخ مصر الحديث.
حاولت البحث عن صور له فلم أجد, حتي لم أستطع معرفة مصيره بعد السجن, ولكنه غالبا مات فقد كان مواليد 1922م.
النبي صلاح





