
الليل وبرودة القلوب
بقلم الكاتبة/نجوي رضوان
(نجاح رضوان)
يأتي الليل ليرخي سدوله على العالم، فتسكن الضوضاء الظاهرة، وتبدأ ضوضاء الأرواح التي لا تنام. خلف تلك الشاشات الباردة، وفي زوايا الغرف المظلمة، تُنسج حكايات هي أبعد ما تكون عن الرفاهية، وأقرب ما تكون إلى النزيف الصامت.
ثمة صنف من البشر، ختم يومه بكلمة “أحبك”، تلك الكلمة التي ظنها ميناء سلامه، فأغلق هاتفه واستسلم لنوم عميق، يلفه الدفء والسكينة، آمناً في كنف مشاعره. وفي المقابل، نجد من استبدَّ به القلق، وأكل التفكيرُ لُبَّ عقله، فظل يصارع الهواجس وينازع الأفكار حتى تلاشت من فرط الإرهاق، فسقط في نومٍ هو أقرب للإغماء منه للراحة.
أما المشهد الأكثر إيلاماً، فهو ذلك الذي صاغ احتياجه في حروفٍ مرتعشة، وكتب “أحتاجك” في رسالة حبس فيها أنفاسه، لكنّ كرامته المجروحة أو خذلانه المتكرر منعه من الضغط على زر الإرسال. فقام بمسحها بمرارة، واصفاً أعمق مشاعره بـ “التفاهات” كذباً على نفسه، ليحمي قلبه من مهانة التجاهل. وهناك من أضناه الشوق، واستبد به الحنين حتى تفتتت روحه، فلم يجد مفرّاً سوى البكاء المرّ، غارقاً في دموعٍ لا يراها أحد، ليسهر ليله وحيداً مع غصة لا تنجلي.
يا معشر المحبين، تعلموا الصدق قبل أن تطرقوا أبواب العشق؛ فإن العبث بمشاعر الآخرين ليس مجرد خطأ عابر، بل هو أبشع جريمة تُرتكب في حق الإنسانية. إن كسر الخواطر ذنبٌ لا تمحوه الكلمات المعسولة. فهل تدركون حقاً ما تعنيه “المشاعر”؟ أم أن هذا الزمن قد طوى في صفحاته معاني الوفاء، وأصبح الحب فيه مجرد سلعة تُباع وتُشترى في سوق الزيف؟كيف لنا أن نبكي على أطلالِ ماضٍ ولى وانقضى؟ وكيف نرجو عودةَ عهودٍ قُطعت بوعودٍ كاذبة في زمنٍ امتلأ بالأوهام والخيالات؟ كفاكم يا بشرُ تلاعباً بالقلوب، وكفاكم انغماساً في صغائر الأمور وتفاهات الوعود التي لا تُسمن ولا تُغني من جوع.
إن الحب الحقيقي قد صار عملةً نادرة، والكلمات مهما طالت وتجملت، لا يمكنها أن تنهي مأساة قلبٍ جُرح باسم الحب. لقد سئمت الروح من زيف الوعود، ومن تلك الأحلام التي تُبنى على رمالٍ متحركة من الكذب والهيافات.





