
العطاء يقتل
بقلم / سهير محمود عيد
كل يوم نُستنزف بصمت:
كل يوم نُعطي أكثر مما نملك، نتحمل أكثر مما نستطيع، ونصمت أكثر مما يجب. نعتقد أن العطاء فضيلة، وأن التنازل عن راحتنا أمر طبيعي، لكن الحقيقة القاسية أن العطاء بلا حدود يمكن أن يقتل روحك بصمت، دون أن يلاحظ أحد ذلك.
الاستنزاف النفسي… القاتل الصامت:
نحن نُستنزف تدريجيًا في علاقات نعتقد أنها محمية، في مسؤوليات لا تنتهي، وفي محاولات لإرضاء الآخرين، بينما نؤجل أنفسنا وننسى رغباتنا الحقيقية. المشكلة أننا اعتدنا هذا الاستنزاف حتى صار طبيعيًا، وكأن الألم جزء من حياتنا اليومية، وكأن التعب المستمر حق مشروع يُفرض علينا.
الاستنزاف النفسي لا يأتي من حادثة واحدة صادمة، بل من تراكم الصغيرات: كلمة جارحة لم تُواجه، موقف مؤلم تجاهلناه، تعب لم يُعترف به، واحتياج لم يُلبَّ. ومع مرور الوقت، يتحول الإنسان إلى نسخة صامتة من نفسه، تقوم بالواجبات فقط، بلا شغف أو إحساس بالحياة، كأن قلبه أصبح آلة تعمل بلا روح.
علامات الاستنزاف التي لا تراها:
أغلب الناس لا يدركون أنهم مُستنزفون إلا بعد فوات الأوان. بعد أن يفقدوا الرغبة في كل شيء، بعد أن تصبح أبسط الأمور عبئًا، وبعد أن يشعروا بأنهم يعيشون على الحد الأدنى فقط. حينها يبدأ السؤال القاسي: “ماذا حدث لي؟”
الحقيقة الصادمة: أنت كنت قويًا أكثر مما ينبغي. تحملت، صمتت، تنازلت، وقلت لنفسك: “سأتحمل قليلًا”. القليل طال، وأصبح التحمل أسلوب حياة، حتى نسيت أن لك الحق أن تتعب، أن تشعر، وأن تقول كفى. كل ساعة تتجاوز فيها حدودك، كل كلمة تقولها لإرضاء الآخرين على حساب راحتك، كل مرة تتنازل فيها عن نفسك… روحك تموت قليلًا.
كيف تحمي نفسك؟
الخروج من دائرة الاستنزاف يبدأ بالاعتراف: الاعتراف بأنك لست بخير، بأنك تحتاج للتوقف، أن تضع حدودًا، وأن تقول لا دون شعور بالذنب. ليس كل من يطلب منك يستحق، وليس كل من يضغط عليك محقًا. حماية نفسك ليست أنانية، بل ضرورة للعيش بحرية ووعي.
الخلاصة القاسية:
في النهاية، تذكّر هذه الحقيقة القاسية: من لا يحمي نفسه، سيُستنزف حتى النهاية. الحياة لا تكافئ من يهمل ذاته، بل تتركه ينهار بصمت. انتبه لنفسك قبل أن تصبح غريبًا عنها، قبل أن يختفي كل جزء منك في ظلال العطاء المستمر. ليس كل ما ينهكك يستحقك، وكل دقيقة تتجاهل فيها نفسك هي دقيقة تموت فيها روحك.
من الكاتبة:
سهير محمود عيد….صوت صادق بين صخب الكلمات.





