
الشيخ والفيلسوف بين العبثية والواقعية
قراءة نقدية بقلم منى عبد اللطيف
قبل أن ابدأ في الحديث عن رواية الشيخ والفيلسوف للكاتب والإعلامي د.شريف الشوباشي، واستطرد في الحديث عن فنيات العمل وحيثياته ورحلتي بداخله،
سأقص عليكم قصة قرأتها واستوقفتني منذ مدة للكاتب الفرنسي فرانسوا رابليه عن رجل يدعى بانوراج على متن سفينة في رحلة بحرية، وعلى نفس السفينة كان هناك هذا التاجر الجشع الذي يمثل الغياب الحقيقي للإنسانية واسمه دندونو والذي وقع بينه وبين الأول شجار جعل بانوراج يحتال لينتقم من هذا التاجر الجشع حين اشترى أحد خراف التاجر بسعرٍ عالٍ ثم سحبه لطرف السفينة وألقى به في البحر أمام قطيع الخراف الذين اصطفوا في طابور مهيب وأخذ كل واحد منهم يقفز للحاق به الواحد تلو الآخر وفشل دندونو في السيطرة عليهم، وبالطبع كانت النتيجة هي غرق جميع الخراف…
ومن هنا جاء تعبير (خرفان بونارج) للتعبير عن عقلية القطيع وانسياق الجماعة دون أدنى شك أو تفكر خلف المسلمات التي ومن الممكن أن تؤدي بحياتهم أو ربما تفقدهم إنسانيتهم فيقعوا صراعا في شرك العبثية فلا جدوى ولا معنى حقيقي فقط مسيرون ليس بقوى كونية كغريب ألبير كاموا إنما بخيوط تحركها اللحى والعمائم؛
الشيخ والفيلسوف بين العبثية والواقعية
اللحى والعمائم التي لا تمثل بالضرورة صحيح الدين لكنها تمثل فصيل يطلقون على أنفسهم رجال الدين وهنا أنا لا استهدف أو أقصد دين معين بل فقط أرمز لكل من هو ينصب نفسه همزة وصل بين العامة والسماء، من يدّعي إلمامه بمقاصد الخالق وغايته، من يتوسم في نفسه التفرد ويحيط نفسه بقطيع صفيق مصطفق…
مؤيد له، مؤمن بكلماته حد اليقين…
قطيع مستهجن لذاته وسعادته وإنسانيته، يزدري العقل والتعقل…
قطيع ينكر حيرته ويحتمي بإذعانه…
ومن هنا أصدقائي أعود بكم إلى الشيخ والفيلسوف؛
هي رواية واقعية يغلب عليها الطابع العبثي،
خطها الكاتب بلغة سهلة تمتزج فيها الفصحى بعامية المثقفين بحيث تصل لجميع المستويات الفكرية للقراء وترتقي بهم برشاقة وانسيابية للفهم بل والتعمق في رؤية الكاتب التنويرية والتي تطرق فيها لعدة قضايا مجتمعية شائكة مغلغلة بثوب مُحكم مهترئ نُسج بخيوط من الورع العابر، وتساؤلات ربما خطرت لنا جميعا لكنها وئدت تحت تراب الممنوع والحرام…
الشيخ والفيلسوف بين العبثية والواقعية
جاء السرد مُحكم وتصاعدت الأحداث بشكل متدرج يخلوا تمامًا من الملل،
ربما للوهلة الأولى قد تظن أن العمل خالٍ من الحبكة إنما سيُعصف بكيانك كله في النهاية حيث تتوقف أمام جملة موضوعة بين علامتي تنصيص، جملة ستجعلك تعيد النظر في العمل ككل وتبحث في ذاتك عن ذاتك وقد تعثر أو تغرق في تيه بلا عودة، أو تجبن فتنزح هاربا بالرفض…
وسأتناول منظوري عن تلك الجملة وعلاقتها بالرواية في نهاية المقالة؛
مزج الكاتب بين الراوي الأنا والراوي العليم فكلاهما نفس الشخص لكن تختلف أدواره وتتعدد أصواته بين صوته الداخلي وصوته الخارجي وطريقة روايته للأحداث…
وقد يبدوا العمل ككتاب علمي نظرًا لكثرة المعلومات، لكني أفضله كرواية حيث نسج الكاتب من خلاله رحلة خاصة جدًا خضتها على كرسي المشاهد الذي تبحر بي بين الأزمنة والأفكار التي حاصرتني وحررتني وتركتني على حافة الاختيار فأدركت شيئا هامًا وهو أن بطل الرواية هو القارئ…
والآن يكفينا حديث عن الفنيات ولننتقل إلى رحلتي داخل العمل:
واسمحوا لي أن ابدأ رحلتي بمشاركتكم إهداء الكاتب الموجه لعميد الأدب العربي المتنور الذي وإن غادر جسده ففكره باقٍ…
يقول الكاتب
“إلى: طه حسين الذي انبعثت من عينيه الضريرتين أضواءً متلألئة أنارت لنا الطريق إلى الحقيقة..”
الشيخ والفيلسوف بين العبثية والواقعية
كان هذا الإهداء بمثابة الشرر الذي زادني شوقًا وتلهفًا لقراءة الرواية نظرا لعشقي لفكر طه حسين وقلمه الذي سبق زمنه ومازال نابضًا بالعقول حتى الآن…
يبدأ العمل بالشاب مصطفى الذي أحب الفلسفة من قبل أن يعرفها وربما ما دفعه هو حبه للتميز مصدقا على ما تردده والدته تلك المتنورة رغم تعليمها المتوسط…
ومع اندفاع الحب يأتي تعثر الخطى وكانت أولى عثراته هي عبثية الغريب، التي وضعته أمام سؤال مبتور الجواب رغم تعدد تكهناته…
وهو “هل الإنسان مسيّر أم مخيّر؟”
وهنا وبعد تفكر مصطفى في الغريب وبالتحديد في جريمة مورسو التي أرتكبها على شاطئ البحر وجدت نفسي أتساءل (مورسو لم يفهم نفسه، عاش بعبثية منفصل عمن حوله، لا يشعر مثلهم ولا يتأثر لا يريد ولا يكره حتى أرتكب جريمته، فلو كان مسيّر مدفوع بقوى خارجية أو داخلية لا يدركها فهل مفتاح الحرية يكمن في إدراك الإنسان لنفسه؟) وهنا تلاقت خطواتي ومصطفى الواقف على مفترق الطرق فلا هو أدرك وقد فات أوان رجوعه لعيش البهائم بعدما مزقته عبثية الغريب…
الشيخ والفيلسوف بين العبثية والواقعية
وحانت اللحظة وحل اليوم الجامعي الأول فكانت العثرة الثانية وهي عثرة الجمود الفكري المسيطر على الجامعات فلم يجد ما توسم، وعاد يجر أذيال الرتابة…
لكنه لم يكن يعلم بما يختبئ… وها هو من جديد جالس في المدرج لكن في تلك المرة متقد الذهن متحمس لذلك الأستاذ الذي وجد فيه ما يبحث عنه وإن لم يدري!
وتنشق شرنقة العقل شيئًا فشيئا، ويبدأ هو في طور التحليق…
ولأن لكل عملة وجهين فلحياة مصطفى جانبين فلسفي وديني كل منهما ينظر في اتجاه آخر لا يلتقيا ولكن يا تُرى ماذا سوف يحدث لو التقيا؟
وقبل أن أحدثكم عما حدث دعونا نرتحل لبيت مصطفى وأسرته المكونة من أب وأم وأخت وبالطبع هو، يمثلوا بالترتيب التنويري، الوسطية، التفكير العلمي القائم على التجربة، الحائر؛
وبسبب حيرة مصطفى بين وجهي العملة وبعد الحوار الذي دار بينه وبين أسرته أهداه أبوه لفكرة المناظرة بين الشيخ والفيلسوف،
لكنه أصر أن ينظمها مصطفى بنفسه ولا يرافقه فيها أي منهم، ولهذا مدلول عندي وهو أن المعتقد لا يوّرث ولا يجب أن تتداخل فيه أو تؤثر عليه الأسرة وكانت المناظرة مخاض نضج مصطفي ليولد أخيرًا على عتبته العقلية الخاصة ومنها يشق دربه في الحياة…
وتبدأ الندوة التي تجلت من خلالها عدة قضايا وفروقات جوهرية بين رجل الدين والفيلسوف، ومما زاد إعجابي بالعمل هو مدى عقلانية رجل الدين وحنكته فدكتور شريف الشوباشي طرح نموذج مثقف لرجل الدين حيث تبارز بحرفية مع الفيلسوف الذي لم يكن أقل ثقافة ولا تمرس، فنتج سجال شيق متصاعد يحتدم تارة ويتهاود تارة،
تناول أمور هامة كقضايا المرأة والحريات مثل مسألة حقوق الزوجة واستباحة جسدها من قبل زوجها بمجرد امتلاكه لصك الزواج وتأثير جمود الفكر الديني على العقيدة وسطوة رجال الدين على العقول وهنا لا نتحدث عن الدين الإسلامي فقط فلقد تطرق الفيلسوف لمختلف الأديان وعقد مقارنات تاريخية وفلسفية هامة عرت العديد من الحقائق أهمها قضية الأخلاق وحقيقتها المرتبطة بالإنسانية والانحطاط الخلقي لمن هم يشخّصون الصلاح خوفًا من النار وطمعًا في الجنة…
الشيخ والفيلسوف بين العبثية والواقعية
وربما برزت نقطة هامة من خلال المناظرة ألا وهي الفرق بين خطاب المثقف وخطاب بعض رجال الدين فالمثقف أحيانا يفقد التواصل مع العامة بعباراته المنمقة ومصطلحاته التي أبعد كثيرًا عن إدراكهم، أما هؤلاء فهم يدركون تمامًا لغة العامة ويستطيعون اجتذابهم أحيانا بالعقل وأحيانا أكثر بالعاطفة عن طريق التلاعب بالألفاظ والمشاعر؛
لكن وعلى الرغم من تلاطم الأمواج إلا انهما صنعا مساجلة عاقلة سوية لا تشتت جمهورهما…
وها أنا جالسة بين صفوف الحاضرين
مستمعة، مستمتعة، حائرة، متسائلة…
حتى صُدمنا جميعًا في النهاية!
حين اختتم الفيلسوف حديثه بجملة نيتشة الشهيرة “مات الإله”
وهنا وقفت مشدوهة تتجلى أمام ناظري فكرتين ربما يفسروا ما أَمَل فيه الفيلسوف من تلك الجملة:
الفكرة الأولى: أنه حين يتنور الإنسان يحطم غلال السطوة فيتسلم زمام أمره ويتحمل مسئولية حريته فتحيا الإنسانية بإرادتها الحرة وتتجلى الفطرة الحقيقية دون خوف من الممنوع وهذا لا يعني الإلحاد إنما يعني إعمال العقل والتحرر من حياة القطيع…
الفكرة الثانية: عبثية المناظرة وصدام العقل باللامعقولية للحياة وكثرة التناقضات والقسوة المبررة باسم الدين تحت سطوة عمائم ولحى وتراث أكل عليه الزمان وشرب، جردوا أتباعهم من عقولهم وأخلاقهم بل من انسانيتهم ففي الوقت الذي يسموا فيه العلم عن الجسد يحيى هؤلاء خائفين من عذاب الجسد طامعين في لذته، مناقضين لأنفسهم بهلعهم من الموت الحتمي، يتخذون من منابرهم معاقل، صنعوا من عمائمهم أغلال من شوك قمعت الأفكار وحكمتهم وأتباعهم بالخوف، فكانت كلمته لطمة زلزلت تلك الحصون علّهم يتفكرون!
الشيخ والفيلسوف بين العبثية والواقعية
ومن هنا بزغت الواقعية في الرواية حيث وجدت نفسي أمام الحقائق المجردة بمختلف وجهات النظر…
وليس بالضرورة أن تختار بل يكفي أن تتمعن بمصداقية حرة في تلك المفاتيح وتبحث خلفها لتبدأ تروس العقل في الدوران وتدرك أنه من الممكن ألا تتفق تمام الاتفاق أو تختلف تمام الاختلاف يكفيك أن تطل من نافذة الحقيقة على الواقع العبثي المجرد، وسيتكفل عقلك بالبقية أو ربما تغلق نافذتك وتختار العودة لسباتك الهانئ، المريح…
في النهاية أحب أن أشكر الكاتب والإعلامي د.شريف الشوباشي على هذا العمل القيّم، الزخم بالأفكار والمعلومات وعلى وقوفك على مسافة واحدة من الجميع دون تحيز…







