الأسبوع العربيالتكنولوجيا الحديثةالذكاء الاصطناعيبحث علميمقالات تِك

الخيال العلمي والإبداع

الخيال العلمي والإبداع
بقلم د. هويدا مروان
٠ ويعرف الخيال على أنه القدرة العقليَّة النشطة على تكوين الصور والتصورات الجديدة، وهو يشير إلى عمليات الدمج والتركيب وإعادة تركيب وترتيب الذاكرة الخاصة بالخبرات الماضية، وكذلك الصور التي يتمُّ تشكيلها وتكوينها خلال ذلك في تركيبات جديدة، وأهم ما يميِّز الخيال الإبداعي أنه بنائي، ويتضمن الكثير من العمليات العقليَّة، ويشتمل على منظور زمني منفتح، فخلال النشاط الخيالي تمتزج صور وخبرات وتوقعات الأزمنة الثلاثة (ماضٍ – حاضر – مستقبل)، ومن خلال هذا التمازج ينتج ذلك المركب الجديد الذي هو المنتج الخيالي الإبداعي المتميز.
الخيال الإبداعي
كل الكشوف والاختراعات التي توصل إليها العلماء سبقهم إليها خيال الفنانين والأدباء ذلك الخيال الإبداعي؛ إذ أن الأديب أو الفنان لا يصور في عمله حلم يقظة فحسب وإنما يعبر عن أمنيات بشريَّة يرجو تحقيقها على أرض الواقع، وحين تحدثت الأساطير والاعمال الأدبية عن تلك الأجنحة التي يحلِّق بها الإنسان مثل الطيور، أو عن البساط السحري الذي ينتقل به عبر السماء من بلد إلى آخر، كانت في واقع الأمر تضع الهدف أمام علماء المستقبل، وترسم لهم الطريق الذي كان الإنسان يتوقع منهم أن يسلكوه.
إن للخيال دور مهم في عملية الإبداع فهو وسيلته كما أنه هو السمة المميزة للإنسان عن الكائنات الأخرى، وهو ما أشار إليه زكي نجيب محمود يقول: “وفارق هام بين فوارق عديدة تميز الإنسان دون سائر الأحياء، وهو فارق الخيال الذي يعلو في مرتبته فيصبح وسيلة الإبداع للعالم والأديب والفنان، إذ هو عندئذ خيال يضمُّ الأجزاء المتفرقة لتصبح بناءً واحدًا: نظريَّة علميَّة، أو قصيدة من الشعر، أو معزوفة موسيقيَّة وهكذا”.
الخيال العلمي وتنمية الإبداع
الخيال العلمي هو مصطلح حديث لصور شتَّى رسمها البشر في أذهانهم لأمور وأحداث وأشياء متخيلة وجديدة، ولكنَّها تختلف عن الجوانب الأخرى من الخيال عند البشر، بوجود أرضيَّة أو أساس أو فكرة علميَّة مجردة، علمًا بأن الفواصل بين جوانب الخيال رقيقة واهية، وقدرة البشر على التخيل قدرة فطريَّة خُلقت معهم، وهي قدرة خلَّاقة إبداعية، فهي تصور للإنسان ما يريد عبر صور وأشكال ورؤى غير معروفة في الواقع، وقد تكون هذه الرؤى غريبة، وقد ينفيها العقل المعرفي الذي وصل إليه البشر أثناء ذلك التخيل؛ ولكنه وبرغم ذلك قد يتحقق يومًا ما، فمنذ القدم تخيل الإنسان نفسه طائرًا في الفضاء، أو غائصًا في أعماق المحيطات أو غير ذلك من خيالات تتعلق بالحياة المادية للناس، وكانت هذه الخيالات سببًا رئيسًا من أسباب نجاح الإنسان وتقدمه واختراعاته الكثيرة المتتالية، وما اختراع الكتابة إلا شكل من أشكال التخيل البشري الذي حول الأقوال والأعداد إلى رسوم وصور قد تطورت فيما بعد إلى الأبجديَّة المعروفة.
أدب الخيال العلمي
مصطلح أدب الخيال العلمي يعني الخيال المقرون بالعلم المرتبط بالأدب كالقصة والرواية والمسرحية، فقصة الخيال العلمي هي قصة تدور في فلك الأدب العلمي المتخيل، قصة تلتقط حدثًا ما في زمان ومكان محددين؛ لتقدمه في أحداث قصيرة وشخصيات معدودة، ورواية الخيال العلمي تأخذ مصطلح الرواية الواسع بشخوصه وتؤطرها بإطار العلم في أحداث مستقبلية، وتحكي عن هواجس عوالم المستقبل وإرهاصاته، فهي تحكي عن عوالم متخيلة بتقدمها العلمي، ومسرحية الخيال العلمي تحكي بفصولها ومشاهدها عن المستقبل ومتاعب إنسان المستقبل، وتستخدم ديكورات وأحداثًا تستقي شخوصها من عوالم المستقبل أيضًا. فأدب الخيال العلمي يشمل السياسة المستقبلية، البيئة، التطور العلمي، كشوف الفضاء، اللقاءات مع عوالم أخرى والسفر إلى المستقبل.
وفي كتابه ( الخيال العلمي، مقدمة قصيرة جدًا) يرى ديفيد سيد أن الخيال العلمي هو مجال أدبي تتقاطع فيه عدة أنواع رئيسة وفرعية، هذا وقد حاول عدد من الكتاب ربط هذا القصص بالعلم وتم استخدامه كوسيلة من وسائل نشر المعرفة العلمية ومازال هذا الاتجاه سائدًا حتى الوقت الحاضر، فقد نوقشت فيه العلوم التطبيقية على نطاق واسع؛ فكل ابتكار تكنولوجي يؤثر بلا شك فى بنية المجتمع وطبيعة سلوك أفراده.

ويمثِّل أدب الخيال العلمي أهميَّة كبيرة في مرحلة الطفولة؛ حيث يسير في اتجاهين متوازيين ومتكاملين، فهو يسهم في التكوين النفسي والعقلي والعاطفي من جهة، وهو أسلوب فعَّال لتأصيل القيم الاجتماعيَّة والإنسانيَّة من جهة أخرى؛ فالخيال والتخيل من الصفات الأساسيَّة التي تتسم بها مرحلة الطفولة خاصة المراحل الأولى، فالطفلُ في المرحلة المبكرة قوَّةٌ معرفيَّةٌ تركيبيةٌ تدمج ما هو خيالي بالواقعي مما يحقق له التكيف والفاعلية. ومن هنا يمكن لأدب الأطفال الذي يعتمد على الخيال العلمي أن يؤدي دورًا كبيرًا في ضبط هذه القوة الخيالية وتنظيمها؛ حيث ينقل الطفل من عالم الخيال الجامح إلى عالم الخيال المنظَّم المبدع، فهو يسهم في عقلنة خيال الطفل وترقيته من خلال تقديم المفاهيم والحقائق العلميَّة، كما يعمل على ضبط هذا الخيال وما ينتج عنه من مشاعر وخيالات؛ حيث يعمل على تنظيمها وتعزيز الجوانب الإيجابية فيها بما يسهم في عملية التكيف الذاتي للطفل وتهذيب تفكيره وسلوكه، كما أنه يلبِّي حاجة الطفل إلى البحث والمعرفة والاكتشاف وميله إلى المغامرة والفضول، ويوسِّع آفاقه العلميَّة والمعرفية من خلال إعطائه المعلومات الصحيحة.
ومن المعروف تربويًّا أن الطفل مقلِّد بارع، فهو يقرأ أحيانًا تلك القصص المصورة في الكتب والمجلات وتتحدث عن العوالم البعيدة، وتأخذه في رحلات خيالية يكتشف من خلالها ما هو مجهول كما في (بساط الريح والأطباق الطائرة)، ومن هنا يمكن للخيال العلمي أن يؤدي مجموعة من الوظائف التربويَّة مثل: تنمية الثقافة العلميَّة لدى الأطفال من خلال تقديم المعلومات بأسلوب قصصي شائق وجذاب، والتأكيد على العلاقات المترابطة بين الكائنات الحيَّة والظواهر الكونية.
ومن الجدير بالذكر أن تراثنا الأدبي العربي يشتمل على قصص يصحُّ أن تنسب إلى أدب الخيال العلمي مثل رسالة الغفران للمعري، وتجربة الطيران لعباس بن فرناس، وإذا كنا نؤمن بأن الأطفال هم أمل المستقبل فإن الاستمرار الحقيقي للحضارة البشريَّة يعتمد على بناء هؤلاء الأطفال بما يملأ قلوبهم من القيم الاجتماعيَّة والإنسانيَّة، وبما يغذي عقولهم من الثقافة العلميَّة الموضوعية التي تسهم بدور كبير في إثارة الخيال الإنساني وتدفعه إلى الابتكار والإبداع.
وتشير الدراستان إلى أنه من بين مائة قارئ للخيال العلمي خمسون على الأقل يهتمون بالعلم ويتابعونه، ومن بين هؤلاء الخمسين نجد خمسة وعشرين طفلًا يتابعون تخصصهم العلمي، وعشرة من هؤلاء يتابعون التخصص العالي، ومن بين هؤلاء العشرة ينبغ عالم واحد على الأقل، والنتيجة أنه من بين مائة طفل قارئ للخيال العلمي سيخرج عالم واحد يسهم في تطور البشريَّة. وهذه نسبة تؤكد دور الخيال العلمي في أدب الأطفال في تربية الإنسان العالم المبدع.

مقالات ذات صلة

 

 

 

المراجع
شاكر عبدالحميد: علم نفس الإبداع، دار غريب للطباعة والنشر، القاهرة، 1995م.
فؤاد زكريا: خطاب إلى العقل العربي، مكتبة مصر، القاهرة،1987م.
زكي نجيب محمود: عربي بين ثقافتين، ط2،دار الشروق،القاهرة، 1993.
عبدو محمد: أدب الخيال العلمي، مجلة الخيال العلمي، العدد السادس، وزارة الثقافة السورية، 2009م، ص ص 30-31.
طالب عمران: الخيال العلمي وتجربتي مع المصطلح، مجلة الخيال العلمي، العدد السادس، وزارة الثقافة السورية، 2009م، ص ص17-18.
ديفيد سيد : الخيال العلمي، مقدمة قصيرة جدًا، ترجمة نيفين عبد الرؤوف، مؤسسة هنداوي، وندسور،المملكة المتحدة، 2016

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى