
الإحالات الضمنية
رحلة البحث عن الشمس –
نموذجا \\ للأديب السعودي محمد الشيخ
كتبت // هويده عبد العزيز
اللغة الشعرية القصصية عند محمد الشيخ لغة جزلة، حسنة القد، سلسة الأسلوب، رشيقة العبارة، مختارة بعناية فائقة يمكنه حشد الكثير من المعاني إلى إحالات ضمنية تغنيه عن الإسهاب الوصفي وهذا ينم عن رُغب فسيحة لا تعرف للجمال حد، يكشف عنها الاختزال الآني الذي يستدعي خبرات طويلة ومعقدة من قصص أو حوادث درامية. أضحت الإحالات الضمنية الثقافية منهلاً خصباً لكثير من الشعراء و الأدباء، أرى أنها أثمرت عن تلاقح العديد من الثقافات الشرقية والغربية و أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الوعي الثقافي والذاكرة الأدبية، وهذا نلحظهُ جلياً بين نمارق قصصه وأطروحاته، حيث قدم شرائح مغايرة لمجتمعه ومجتمع القراء في هويتها وثقافتها الجمة فكانت عملية استشراف تلقي بزمامها على الماضي والحاضر والمستقبل، وبوجهٍ طلق نافياً عنه غموض المقاصد أو فضول المرامي، وفي مجموعته القصصية التي عنوانها ” رحلة البحث عن الشمس” حيث الشمس رمزاً للدفء المستدام، و النور المستفيض، والحب الأزلي،
و العطاء المجزل، و الخصوبة المتدفقة في ربوع حكاياته، ورمزاً للابتعاث كالعنقاء تولد من جديد، و لطالما كانت الشمس رمزاً مقدساً في الديانات القديمة ففي نجد كانوا يقدسون (بعل) والحميريين في اليمن (خير) و في العراق (إنانا) وعند السومريين ( أوتو) كان رمزاً للخصوبة وعند السوريين (أوشا و ريتوشا) وفي مصر القديمة (رع )، و مما لا شك فيه أن الشعراء كثيرا ما تغنّوا بها ، كأبي العلاء المعري في زنده، كما أشار إليها القرآن الكريم في رحابه في قصة إبراهيم عليه السلام و هناك سورة تحمل الاسم مع كثير من المصاحبات – الضحى والنهار والليل والسماء والأرض – وما يملأ كينونتها من صفات عريضة في رقتها أو حدتها .
اخترت من هذه المجموعة ثلاث قصص لتقديمها و إلقاء الضوء عليها فهي رحلة للبحث عن الذات والهوية،
لاسيما في قصة ( ملعونة أنت يا ليزا ) ليزا رمز للأنوثة اللندنية المتفجرة والحب المعلب المتحفظ في رؤاه تجاه تقاليد الشرق وأعراف القبيلة، كمن عض على نواجذه ندماً فيقول الراوي ” ما أشبه لندن بقريتنا وما أكثر مواعيد ليزا .. ليتها تسقط الزمن من حسابها “.
يعكس الشيخ أثر الهوية و مكدراتها على اللغة و الثقافة و التاريخ ومن ثم الفكر الإنساني، فالحب في نظر ليزا وجبة جاهزة لا تحتمل الاختمار و الحب عند الرجل الشرقي رمزاً مقدساً لا يُمس، يحتاج غرساً حتى يتأتى له الحصاد. تؤكده عبارة
“أنا عربي أصلاً ومنشأَ … وتقول أنتَ من بلاد قيس بن الملوح و عمر بن أبي ربيعة،
أحسستُ أنني قادم من بلاد الشرق للبحث عن جولييت ” ص12
يختزل الشيخ تاريخاً عتيقاً للحب العذري بإحالته إلى مقامات الغزل وأساطين العشق والأدب، فيتأرجح بين نواتا حب – فرط الرفق و فرط الاعتزاز – (قيس وعمر) فقيس بن الملوح الملقب( بمجنون ليلى )أودى به الحب من فرط هيامه واشتياقه للعامرية، وجد ملقى ميتا بين الصخور،وعمر بن أبي ربيعة الملقب (بالعاشق) صاحب عبارة وهل يخفى القمر ؟ كناية عن شهرته الواسعة التي كانت محل دهشة وإعجاب النساء وفتنتهن، كذا الرجل الشرقي في رفقه المتحجر واعتزازه بنفسه في عيون الآخر، لتأتي ويكللها ب” جولييت” أسطورة شكسبير الخالدة محور الإجرام المتنافر ( الشرق والغرب ) وجاءت كرمزية النافذة لتعزز جسور المحبة و التواصل بين الطبقات والثقافات و كأنه يضيف للتراجيديا بعدا إنسانيا وأدبيا جديدا، يقولون العالم قرية كبيرة، لكن أديم المآسي واحد.
(ريمة من الريم ) الرَّيمُ ظبي خالص البياض والريم نافذة الروح والجسد فكثير ما تغنى بجمال عيونها الشعراء، إن للعيون سطوة ورقة تضاهي في حدتهما نصل السيف كما أنها معروفة برشاقة قوامها وقدرتها على التكيف في أحلك الظروف وأشدها قسوة .
“الله يرحمك يا أبي، لحظة اغتصبت إرادتي، أخفيت أشيائي الخاصة تحت شجرة السدر العتيق، كم هي عزيزة تلك الشجرة
قريتي تقف عندها … لا توجد دنيا خارج قريتي … حتى أخي لم يصدق أن الدنيا كبيرة ص 20ص
ليس بالضرورة أن تُحِيلنا الإحالات إلى حادثة درامية قد توازيها صفات لا تقل أهمية في المضمون والقيمة . غالبا ما ينظر للمجتمع البداوي كجيب متخلف من الجيوب المهمشة ، كائن استاتيكي عفا عليه الزمان، متناسيين أن البدوي يمارس أقصى أنواع التكيف البشري على الإطلاق , نمط الحياة القاحلة والقاهرة التي فرضت ملامحها على ملبسه ومأكله ومشربه وحتى مزاجه، جعلته محارب بطبعه، بين عزلة مكانية وعزلة حضارية، فجاءت ( ريمة ) بطلة ( قراءة في فستان بدوية ) كنموذج للتحولات المجتمعية والثقافية التي طرأت عليها وعلى أسرتها و رمزا للأنوثة البدوية الوديعة المحافظة، شديد الالتصاق بالأرض ك( شجرة السدر ) ورمزا الصلابة وقوة التحمل شجرة من أشجار الجنة قال تعالى ” وسدر مخضود” إشارة للسلام الأبدي هو الشجر الذي يكثر حمله، فلاشوك فيه و لا يؤذي الأيادي إن امتدت إليه. وجاء الفستان كناية عن دثار المرء فكره طموحه ورغباته، تعبيرا عن الذات، لمسة من لمسات الافتتان والأنوثة الصاخبة ليس دثار يغلف المرأة من رأسها حتى اخمص قدميها مقتصرا عن الحفلات والأعراس، من المؤلم أن تقتصر صيحات الموضة وصيحات الجمال على الجسد فدثار المرء فكره ا و أن يضعك الآخر في قالب يتلاءم مع آخر صيحاته واهتماماته.
(قفزت ضحكة بلهاء على سؤال خبيث كيف أقيس درجة الانفعال على هذا الوجه الأحمر وغرزت الرماح , أصابعي العربية ألا تعرف أنها متعودة على تمزيق اللحوم خذها من فارس بني عبس . صرخ ….إرهابي إرهابي
كانت ارهابي كصفعة اقتلعت عيني ..ظلام كثيف قادم على متن العواصف ” قميص الخواجة “
هذه المجموعة القصصية كتبت قبل ثلاثين عاما ونيف ,,, وكأنها رؤية مستقبلية تتحدى كهنوت الجهالة وضحالة الفكر، وتغوص إلى أعماق النفس البشرية لتخرج إلينا بقبس من نور الشمس عن مفاهيم
الحرية، الفكر الحداثي وضياع السواد الأعظم بين المفاهيم، كما عكس مآلات تيارين ألقى بظلالهما على جسد الثقافة ومشاهده (الاستشراق و الاستغراب )في محاولات لإعادة اكتشاف الآخر، قاصرة في رؤياها تغلفها حالة الانبهار أو العجز التام عن فهم عادات وتقاليد الشرق
فالشرقي يحمل معه مروءة العرب و أخلاق الفرسان أينما ذهب، أمجاده، أشعاره، رومانسيته الحالمة، من المعلوم عنه اقتحامه الأهوال واكتشاف العالم حوله لكنه يصدم باكتشافاته المتأخر عن الركب دائما كما يسميه البعض مواكبة الحضارة، فغالبا عقيدته، أمجاده، تاريخه، تقف له بالمرصاد فقميص الخواجه مهما تسع، ضاق ومهما التصق عارٍ من الحقيقة، لايعلم إلا خنجر العربي الدامي ونزيف البطولات و المحابر
كجوهر حكاية ” فارس بني عبس ” أشراف وعبيد، الصورة الوحشية التي التصقت به و صدرها المستشرقين لرجل يشرب دماء أعدائه في كؤوس من جماجم، رجل مفتون بالخيول والسيوف، جعلت منها هجمات شرسة على التراث تغلفها نظرة استعلائية على العرب.
كانت هذه إضاءة موجزة على المجموعة القصصيّة البحث عن الشمس أتمنى أكون وفقنا في تأويله و أتمنى للأديب محمد الشيخ مزيدا من الإبداع و التفرد. لكم منا خالص الشكر والتقدير والاحترام





