أبطال صنعوا التاريخالسياسية والعسكرية

الأسطورة المنسية بسلاح المدفعية المصرية: اللواء عبدالتواب هديب.. أول من دمر خط بارليف في حرب الاستنزاف

قادة عظماء كان لهم دور محوري في الدفاع عن الوطن

تقرير: سامح طلعت

في سجلات التاريخ العسكري المصري، تبرز أسماء قادة عظماء كان لهم دور محوري في الدفاع عن الوطن وتحقيق الانتصارات. ومن بين هؤلاء القادة الأبطال، يلمع اسم اللواء عبدالتواب هديب، مدير سلاح المدفعية في فترة حرجة من تاريخ مصر. يُعد اللواء هديب أسطورة منسية في سلاح المدفعية، حيث اتخذ في الثامن من سبتمبر عام 1968، وبتوجيهات مباشرة من الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، أحد أعظم القرارات في حرب الاستنزاف، وهو تنفيذ قصفة نيران مركزة وقوية ضد جميع الأهداف المعادية على طول مواجهة قناة السويس. كانت تلك العملية ملحمة حقيقية، كتب سطورها اللواء هديب ورجال المدفعية الأبطال بالتخطيط الدقيق، والتحضير الجيد، والسرية التامة في التنفيذ.

الأسطورة المنسية بسلاح المدفعية المصرية: اللواء عبدالتواب هديب.. أول من دمر خط بارليف في حرب الاستنزاف
الأسطورة المنسية بسلاح المدفعية المصرية: اللواء عبدالتواب هديب.. أول من دمر خط بارليف في حرب الاستنزاف

ضربات استباقية ناجحة: المدفعية المصرية تستر كمائن الجيش وتوقع خسائر فادحة بالعدو

لم يقتصر دور المدفعية المصرية تحت قيادة اللواء هديب على القصف المركز في سبتمبر 1968. فخلال دفع بعض الكمائن المصرية الناجحة لاصطياد الدبابات والمركبات المدرعة الإسرائيلية في السادس والعشرين من أكتوبر من العام نفسه، ساهمت المدفعية بدور حاسم من خلال قصف شديد ومستمر لتغطية أعمال القتال وحماية القوات المصرية. أسفرت هذه العمليات الدقيقة عن تكبيد العدو خسائر فادحة بلغت 49 فردًا ما بين قتيل وجريح، مما أظهر القدرة القتالية العالية لسلاح المدفعية المصرية تحت قيادة اللواء هديب.

تدمير خط بارليف: ضربة موجعة للجيش الإسرائيلي في بداية حرب الاستنزاف

في الثامن من مارس عام 1969، خطط اللواء عبدالتواب هديب لعملية عسكرية جريئة تهدف إلى تدمير الجزء الأكبر من خط بارليف الدفاعي الإسرائيلي المنيع. ونجحت الخطة ببراعة، حيث نفذت المدفعية المصرية قصفًا شديدًا ومستمرًا لمدة خمس ساعات متواصلة، أرهق العدو الإسرائيلي وشل حركته وشتت قواته، وأذاقه مرارة الهزيمة في بداية حرب الاستنزاف. كانت هذه العملية بمثابة ضربة موجعة للجيش الإسرائيلي، وأظهرت تصميم القيادة المصرية على استعادة الأرض المحتلة.

رفيق السلاح في الجبهة: استشهاد الفريق رياض وإصابة اللواء هديب

بعد يوم واحد فقط من عملية تدمير خط بارليف، وبخطواته الواثقة والهادئة، كان الفريق عبدالمنعم رياض، رئيس أركان حرب القوات المسلحة آنذاك، متواجدًا على الجبهة برفقة اللواء عبدالتواب هديب للاطمئنان على الجنود ومتابعة سير أعمال القتال مع العدو عن كثب. وخلال تواجدهم في الخطوط الأمامية، قصف العدو الموقع، ليُستشهد الفريق البطل عبدالمنعم رياض، ويُصاب اللواء عبدالتواب هديب بإصابات طفيفة، شاهدة على تواجده الدائم في قلب المعركة.

مسيرة عطاء حافلة: خبرات متراكمة منذ التخرج ورفقة الزعيم

جمع اللواء هديب في تخطيطه وتنفيذه لعمليات قصف العدو جميع الخبرات العسكرية التي اكتسبها منذ تخرجه من الكلية الحربية برتبة الملازم ثاني في الأول من فبراير عام 1939، وانضمامه إلى سلاح المدفعية. كان اللواء هديب دفعة وصديقًا مقربًا للرئيس جمال عبدالناصر ورفيق دربه في حركة الضباط الأحرار، وأحد القادة البارزين الذين كان لهم دور فعال في ثورة 23 يوليو عام 1952، حيث أوكل إليه مهمة منع تدخل القوات البريطانية المتمركزة في منطقة قناة السويس في الأحداث الحاسمة للثورة.

صفات القائد: صبر وجلد وحب للوطن.. وبطولات في حرب فلسطين

عكست ملامح وجه اللواء عبدالتواب هديب صبرًا وجلدًا وحبًا عميقًا لوطنه. ولا عجب في ذلك، فقد ولد لعائلة مرموقة بمحافظة بني سويف، وظهرت تلك السمات القيادية جليًا خلال حرب فلسطين عام 1948، حيث كان رئيس عمليات كتيبة مدفعية، وصمد مع رجاله الأبطال لأكثر من عام كامل في حصار اليهود للقوات المصرية الباسلة في قرية الفالوجا، مسجلًا بذلك صفحات من البطولة والفداء.

تأهيل عسكري رفيع: بعثات ودراسات عليا لخدمة الوطن

حرص اللواء هديب على تطوير قدراته العسكرية باستمرار، حيث تم إيفاده في بعثة عسكرية إلى الاتحاد السوفيتي، كما التحق بكلية أركان حرب عام 1953، وسافر في بعثة تدريبية إلى دولة اليونان عام 1954، وتلقى تعليمه العسكري الرفيع بالتحاقه بأكاديمية ناصر العسكرية العليا، ليصبح قائدًا عسكريًا مُلمًا بأحدث العلوم والاستراتيجيات العسكرية.

قائد في قلب الأحداث: أدوار بطولية في العدوان الثلاثي وإدارة المناطق الحيوية

كان اللواء هديب من القادة الذين كتب عليهم القدر أن يكونوا في قلب الأحداث المصيرية التي مرت بها مصر، حيث اندلع العدوان الثلاثي عام 1956 وكان له مواقف بطولية مشهودة في التصدي للقوات المعتدية، حيث شغل منصب قائد مدفعية الفرقة الرابعة المدرعة في تلك الفترة العصيبة. ثم تولى قيادة مدفعية المنطقة الشرقية، وبعدها عُين ملحقًا عسكريًا في بريطانيا والعراق، قبل أن يعود إلى مصر في نهاية عام 1966 ويتم تعيينه رئيس أركان المنطقة الشرقية، ليساهم بخبراته في حماية أمن الوطن.

مديرًا لسلاح المدفعية وإعادة بناء الجيش: مسؤولية تاريخية في فترة حرجة

لكفاءته العسكرية وخبراته القيادية المتميزة، شاءت الأقدار أن يتم اختياره مديرًا لسلاح المدفعية عام 1968، في فترة حالكة من تاريخ مصر أعقبت هزيمة يونيو. أُلقيت على عاتقه مسؤولية تاريخية تتمثل في إعادة بناء وتطوير سلاح المدفعية، بالإضافة إلى مسؤولية إعادة بناء التسليح في القوات المسلحة بأكملها، حيث كانت هيئة التسليح للقوات المسلحة تتبع إدارة المدفعية في تلك الفترة.

محافظًا لبورسعيد والإسكندرية: خدمة الوطن في مختلف المواقع

تقديرًا لدوره الوطني وعطاءه المخلص، عُين اللواء عبدالتواب هديب محافظًا لبورسعيد الباسلة في الفترة من عام 1971 وحتى عام 1974، وظل يرتدي الزي العسكري حتى انتهاء معركة أكتوبر المجيدة، وكان أهالي بورسعيد يطلقون عليه لقب “الفارس المصري الأصيل” تقديرًا لشجاعته وقيادته. وبعد ذلك، تم تكليفه بمنصب محافظ الإسكندرية في الفترة من عام 1974 وحتى عام 1978، ليستمر في خدمة الوطن في مختلف المواقع والمسؤوليات.

رحيل الأسطورة: نهاية مسيرة عطاء طويلة في خدمة الوطن

شاءت الأقدار أن يختاره الموت، وكأنه لا يختار إلا العظماء من الرجال، حيث توفي اللواء عبدالتواب هديب في عام 2003 بعد مسيرة عطاء طويلة ومُشرفة في خدمة القوات المسلحة والوطن منذ مولده في الثالث من يناير عام 1917 بقرية الشناوية مركز ناصر بمحافظة بني سويف. سيبقى اسم اللواء عبدالتواب هديب محفورًا في ذاكرة التاريخ العسكري المصري كأحد الأبطال المنسيين الذين كان لهم دور حاسم في حرب الاستنزاف والتمهيد لنصر أكتوبر المجيد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى