
إهمال
بين إصبعين أقلبها
حبة من الدواء ناعمة الملمس
لا يبدو عليها هذا الشر الذي يصفونها به
ومن قال أنها شر منذ البداية
أنا معلم في روضة الأطفال
حياتي رتيبة مملة وربما لا يشوبها أي جديد
هناك من قال يوماً أن نحمد الله على هذه الحياة الرتيبة
غيرنا يتمناها
ولكنني إعتدت على الإختلاف منذ صغري
وهذه الحياة التي أحياها لا يتمناها أحد غيري
ولا حتى أنا
عشت عمري كله أود لو شعر العالم بي
أحتاج أن أرفع رأسي قليلاً
ربما أظهر من بين عامة الشعب والمهمشين
أنا يا سيدي أحد هؤلاء البؤساء
الذين يعيشون عمرهم كله ولا يشعر بهم أحد
لا يستقبلهم أحد عند ميلادهم ولا يلحدهم أحدهم في قبره
ما أصعب الحياة دون قابلة وملحد
أناس لا تهتم بالتاريخ ولا سيرته
ولا علاقة لهم به ولا هو يعرفهم
ورغم هذا كنت أشعر دومًا باختلافي
حتى الزمن حين يدور بي
كان يبدو مختلفًا بطيئًا رتيبًا
عندما أتحدث مع أحدهم
أشعر أن فمه يتحدث بالتصوير البطئ
ولا أكاد أفهم كلمة قالها دون تركيز شديد
وعندما أحببت كان ذلك الذي يسمونه إعجاب
فلا حب من طرف واحد أبدًا
هكذا قالت العرافة
ولتلك العرافة حكاية أخرى
غير أن الوقت الباقي
لا يتسع لروايتها
ربما إحتفظت ببعض حكاياتي
قد يكون للأموات مجالس
يسردون فيها قصصهم وحكاياتهم
وأيا ما كان مصيري بعد هذه الحياة
أنا أتقبله كاملًا
منذ سنوات وأنا أعد مذكرة دفاعي عن نفسي
في هذه الرحلة القصيرة
والتي لم يسعفني الوقت
لكي أفهمها كاملةً كما ينبغي
أي عقل يتقبل كل هذا الجنون
العالم يجري من حولي وأنا ألهث لكي أبقى في مكاني
وأناور كي لا أكون من المسحوقين تحت عجلاته الحربية
تناولت كأس الماء إستعدادًا لتناول قرص الدواء
الكأس يمتلئ على آخره ويظهر توتر الماء السطحي
هكذا أخبرنا معلم الفيزياء
كانت تجلس داليا في الجانب الآخر من الفصل الدراسي
كان تركيزي منصب على خيوط الشمس وهي تداعب شعرها
أي جمال هذا
كانت محط أنظار الجميع
ولكن الفائز بالطبع ليس من البؤساء أمثالي
وضعت كأس الماء جانبًا
وسرحت في خيالاتي اللامنتهية
في مرحلة الدراسة المتوسطة أو الثانوية
كنت أشعر بعضلات جسدي تتشكل
وبعض الشعيرات تنمو في لحيتي وشاربي
ساعتها تجرأت وحاولت التقرب منها
وهي كانت رقيقة لا تنهر سائل ولا تخزيه
بل يبدو الود على جنبات وجهها الصبوح
كنت في أثناء حديثي معها
أقترب شيئًا فشيئا حتى شعرت بطاقة جسدها
أنا الآن في دائرة النصف متر حيث يجتمع المقربين
وفي أثناء حديثنا الذي لا أذكره
باغتتها وطبعت قبلة على خدها
كان رد فعلها سريع
صفعة سريعة على خدي ثم ابتعدت
لم تطلق حتى أي صراخ او سباب
ربما لأنها تعلم أن لا أحد يهتم لأمري
نكرة في حياتي وذلاتي
وفي اليوم التالي توقعت أن ينظر الجميع لي باحتقار
ولكن لم يعر الامر أحد منهم إهتمامًا
ومن يهتم
حتى عندما جمعنا العمل في إحدى المدارس الإبتدائية
لم يبدو عليها أنها تذكرني
رغم أني لم أنسى أي من قسمات وجهها
ساعتها أدركت
أن تجاهل العقاب مثله مثل نسيان الفضل
لأن المحصلة هي عدم الإكتراث لامرك
وتيقنت أن قلة الاهتمام قاتلة
حتى القتلة والسفاحين يحظون باهتمام لائق
وعدت لأمسك كأس الماء من جديد
أنا لا أقصد قتل نفسي
ولكني أوجه للعالم صرخة صامتة
رسالة احتجاجية بكل لغات البشر
كتبت رسائل تحمل معاناتي وسخطي
وانتظرت
ربما يبتسم لي أحدهم
ف أعود عن قراري
أو ينتهي أمري وأكون لمن خلفي آية
أيها العالم البارد قليل التحضر
لو فهمني أحد من يحيا على ظهرك
لو فقط فهمني أحدهم
ربما وددت لو طالت اقامتي عليك
ولكننا يقتلنا الاهمال ويحيينا بعض المشاعر
ولو كانت زائفة
فتشبسوا بمن يبادلكم
بعض من نفسه
وساعتها
تناولت حبة الدواء
ورحلت
بقلم د.أحمد أمين
8 اكتوبر 2023






