اقتصاد

إتفاق البترودولار بين الإنهيار والتجديد

إتفاق البترودولار بين الإنهيار والتجديد

بقلم: د. غادة محمد عبد الرحمن
إنتشر مؤخراً وفي العديد من وسائل الإعلام العالمية، مصطلح )البترودولار) وهو من المصطلحات نادرة الإستخدام، والمجهولة لدى الكثيرين، وذلك على الرغم من أهميته، وتأثيره في الإقتصاد الدولي، فهو مصطلح إقتصادي، يُقصد به الدولارات الأمريكية المستخدمة في بيع وشراء النفط الخام، وقد كان الخبير الإقتصادي الشهير الدكتور إبراهيم عويس، والأستاذ في جامعة جورج تاون الأمريكية، أول من إستخدم مصطلح (البترودولار).
وقد تبلور ذلك المصطلح مع الإتفاق الذي عُقد بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية عام ١٩٧٤م، والذي نص على اعتماد المملكة للدولار الأمريكي كعملة أساسية لتسعير صادراتها من النفط، بالإضافة إلى شراء السعودية لسندات خزانة أمريكية، وفي المقابل يكون التعاون الإقتصادي بين البلدين، وكذلك تمتع السعودية بالحماية العسكرية والأمنية الأمريكية، وقد اتخذت العديد من الدول النفطية ذات النهج، مما أسهم وبشكل كبير في تعاظم قيمة الدولار الأمريكي، حيث أصبح في صدارة سوق العملات العالمية، وأصبحت الولايات المتحدة القوة المهيمنة على التجارة الدولية، والإقتصاد العالمي، ومن ثم التحكم في السياسات العالمية، وقرارات الدول المختلفة، وفرض النظام العالمي القائم على أحادية القطبية.
وجدير بالذكر أن الدولار الأمريكي كان قبل إتفاق (البترودولار) مرتبط بمعدن الذهب، وذلك وفقاً لإتفاقية (بريتون وودز) المبرمة عام ١٩٤٤م، وأستمر هذا الوضع إلى أن بدأت الولايات المتحدة تواجه عجزاً في إحتياطها الذهبي، ومن ثم أصبح من الصعب الوفاء بالتزاماتها، مما أدى إلى قيام الرئيس الأمريكي الأسبق “ريتشارد نيكسون” بفك الإرتباط بين الدولار والمعدن الأصفر، وذلك مع بداية سبعينيات القرن الماضي، ليبدأ عصر (البترودولار).
وبعد نصف قرن من الزمن، ومع إنتهاء فترة إتفاق (البترودولار) في التاسع من يونيو الجاري، وعدم تجديده حتى كتابة هذه السطور، تصبح سيادة أمريكا للعالم على المحك، خصوصاً مع تصريحات سعودية متفرقة عن عدم إقدامها على تجديد الإتفاق، بالإضافة إلى إعلان المملكة عن إنضمامها إلى تجربة عابرة للحدود للعُملات الرقمية للبنوك المركزية، التي يقودها بنك التسويات الدولية، مما يعني إستبدال الدولار الأمريكي بتلك العُملات الرقمية، ولو بشكل جزئي، وكذلك تصريح السعودية عن دراستها إمكانية قبول اليوان الصيني بدلاً عن الدولار الأمريكي في مبيعاتها النفطية للصين، مع العلم بضخامة المبيعات النفطية السعودية إلى الصين، مما يؤدي إلى إنخفاض ملحوظ في الطلب السعودي على الدولار.
وعلى الرغم من تقليل البعض من تأثير الإجراءات السعودية المذكورة أعلاه على المكانة الدولية للدولار الأمريكي، إلا أن الواقع يشير بغير ذلك، نظراً لحجم السعودية الضخم على مستوى الدول النفطية، حيث أنها من أكبر الدول المصدرة للنفط في العالم، هذا إلى جانب ما يمكن أن ينتج عن ذلك من قيام العديد من الدول النفطية بإتخاذ ذات الخطوات، لاسيما الدول العربية منها، الواقعة في أكثر مناطق العالم اشتعالاً بسبب القرارات الأمريكية الجائرة، وذلك للتحرر من السيطرة الأمريكية، وهذا ما سيؤدي حتماً إلى فقد الولايات المتحدة لهيمنتها الإقتصادية على العالم، ومن ثم فقد هيمنتها السياسية.
وأخيراً، هل ستكمل المملكة العربية السعودية طريقها للخلاص من السيطرة الأمريكية، والتوجه نحو الإستقلال في القرارات الإقتصادية والسياسية بما يخدم مصلحة الشعب السعودي؟ أم سنفاجئ بتجديد إتفاق (البترودولار) أو توقيع إتفاقية جديدة تنص على ذات البنود؟ وهذا ما ستجيب عنه الأيام القليلة المقبلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى