أهل القبور في قبورهم
بقلم / محمـــد الدكـــروري
اليوم : السبت الموافق 17 فبراير 2024
أهل القبور
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والإيمان ولك الحمد أن جعلتنا من أمة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، فاللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم، الذي كان من روائع المواقف الإنسانية موقفه صلى الله عليه وسلم لما مرت عليه جنازة رجل يهودي فعن قيس بن سعد، وسهل بن حنيف، كانا بالقادسية، فمرت بهما جنازة، فقاما، فقيل لهما إنها من أهل الأرض؟ فقالا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرت به جنازة فقام، فقيل إنه يهودي؟ فقال ” أليست نفسا؟” مسلم، فيا أحباب رسول الله صلى الله عليه وسلم، نقف مع إنسانية النبي صلى الله عليه وسلم مع خصومه وأعدائه في حروبه وسراياه.
فالذي يتأمل الحروب التي خاضها رسول الله صلى الله عليه وسلم، يجد أنها لم تكن عدوانا ولا فرضا لسطوته، ولا ظلما لأعدائه، بل كانت تحمل في طياتها الرحمة والإنسانية، وتتمثل الإنسانية الحانية في ذلك المشهد الذي يفيض رحمة ورفقا، ومع كل ذلك كان لا يفتأ عليه السلام أن يقول “اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون” فاللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي آله وأصحابه أجمعين، واعلموا يرحمكم الله أن أهل القبور في قبورهم نفدت من بين أيديهم الأعمار وبقيت الأوزار، ولسان حالهم يقول حسرتنا أن ندرك وقتا نصلي فيه ركعتين، وأنتم تقدرون وهم لا يقدرون، وما حال أزواجهم؟ وما حال أيتامهم؟ وما عاقبة أموالهم؟ فالأعمال قد انقطعت، والحسرات قد بقيت، والأموال قد فنيت، والأزواج قد نكحت.
والدور قد خربت، وقال أحد السلف كلنا قد أيقن بالموت وما نرى له مستعدا، وكلنا قد أيقن بالجنة وما نرى لها عاملا، وكلنا قد أيقن بالنار وما نرى لها خائفا، فعلى ما تفرحون؟ وما عسيتم تنتظرون؟ ثم تأتي اللحظة التي قدر الله عز وجل لك فيها أن تترك عالم الدنيا إلى عالم البرزخ، أي إلى عالم الفناء، إلى عالم القبور، فيأتي الموت في اللحظة التي حددها الله تبارك وتعالى لك، فينقلك الموت بعظمة الله عز وجل من القصور إلى القبور، ومن ضياء المهود إلى ظلمة اللحود، ومن ملاعبة الجواري والغلمان إلى مقاساة الهوام والديدان، ومن التنعم بالطعام والشراب إلى التمرغ في الوحل والتراب، فهذه هي المرحلة الثانية مرحلة الموت، يوم أن تنتقل بعد مولدك وبعد حياتك وبعد عيشك إلى عالم يسمى بعالم البرزخ.
إلى عالم الفناء، إلى عالم الحق عند الله الحق جل وعلا فهل تفكرت يا ابن آدم في يوم مصرعك؟ وانتقالك عن موضعك؟ إذا نقلت من سعة إلى ضيق، وخانك الصحب والرفيق، وهجرك الأخ والصديق، وأخذت من فراشك وغطائك إلى غرر، وغطوك من بعد لين لحافها بتراب ومدر، فيا جامع والمال، والمجتهد في البنيان، ليس لك من مالك والله إلا الأكفان، بل للخراب والذهاب، وجسمك للتراب والمآب، فأين المال الذي جمعته؟ هل أنقذك من هذه الأهوال؟ وقال الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله لعالم من العلماء عظني، فقال له لست أول خليفة تموت قال زدني قال ليس من آبائك أحد إلى آدم إلا ذاق الموت وسيأتي دورك يا عمر، وسيأتي دورك يا عمر، فبكى عمر بن عبد العزيز رحمه الله وخرّ مغشيا عليه.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” أكيس الناس أكثرهم ذكرا للموت، وأكثرهم استعدادا للموت، أولئك الأكياس، ذهبوا بشرف الدنيا وكرامة الآخرة ” رواه الطبراني، والعاقل اللبيب هو الذي يذكر الموت، وهو الذي يستعد للموت، وهو الذي يذكر نفسه دائما وأبدا بالموت، وهو الذي يعلم علم اليقين أن هذه الحياة مهما عاش فيها فهي قصيرة، ومهما عظمت فهي حقيرة، لأن الليل مهما طال لا بد من طلوع الفجر، ولأن العمر مهما طال لا بد من دخول القبر .




