الأسبوع العربيخاطرةمقالات

أفلا شققت عن قلبه؟!

أفلا شققت عن قلبه؟!
بقلم د. هويدا مروان
لا شك أن طبيعة العصر ومقدراته وذلك التسارع غير المسبوق من تمكن التقنية وفرضها آليات خاصة للعيش في كنف ما تقدمه من تسهيلات وتيسيرات لحياة الإنسان لم يكن لخيال غير الخيال العلمي أن يصل إلى تصورها أو يقترب.
هذه المتغيرات المتلاحقة جعلت اهتمام الإنسان ينحرف بشكلٍ لافت إلى متابعة الآخرين بعدما كان تركيزه متجهًا بشكل أكبر على حياته الخاصة منشغلًا بما فيها من زخم الاحتياجات وتوفير المتطلبات. وما يعوزه ذلك من بذل جهد مُضاعف على نحوٍ أكثر مما هو مطلوب فى زمننا هذا الذي وفر فيه التقدم التقني كثيرًا من الجهد العضلي، وتوافر كذلك الوقت وأصبح الإنسان لديه متسعًا منه.
فبات جل اهتمامه موجه لحياة الآخرين وتحول الأغلب الأعم من الناس_ إن لم يكن جمعيهم _ إلى قضاة ومحكمين لكل ما يصدر من صغيرة وكبيرة عن غيرهم، وصار وصف ما يسلكه الناس من سلوكيات هو الثيمة الغالبة والعلامة المميزة لمن يرى في نفسه الخبير بدروب النفس البشرية والوحيد القادر على سبر أغوارها. فنصًب كل واحد من هؤلاء نفسه محكمًا لتصرفات الغير ووضع تصنيفاته وتفسيراته لكل ما يصدر من سلوك وإن بدا سلوكًا معتادًا لا غرابة فيه.
قد يكون هذا مقبولًا إن صدر عن متخصص في مجال علم النفس أو علم الاجتماع مهتم بتغير سلوكيات المجتمع وما أدى إليه ذلك؛ لكن أن يصير الجميع خبراء وعلماء ومنظرين، فهذا مما يثير السخرية والغضاضة في الوقت نفسه.
الحكمة في التصرف تقتضي أن يضع الإنسان نصب عينيه حقيقة أن الشخص لا يفسر ولا يحكم عليه من موقف واحد أو كلمة صدرت في سياق له خصوصيته. الإنسان يمر في اليوم الواحد بمئات المواقف، فكيف يُحصر الحكم عليه عبر موقف بعينه، فهذا الذى رأيته خارجًا من المسجد لتوه ووصفته بالتقى والورع هلا كشفت عن قلبه وعلمت إن كانت صلاته ممزوجة بالخشوع بعيدة عن أمراض القلوب من رياء وعجب. هل رأيته بعد خمس دقائق ناهرًا لأحد مستخدميه أو مانعًا لأجرة أجير. ثم بعد حين من الوقت رأيته جالسًا مع أمه التي بلغت من الكبر عتيًا يبرها ويقوم على خدمتها.
كيف بالله عليك يكون حكمك عليه من خلال أي تلك المواقف؟! هو مؤمن فى الموقف الأول، وآكل حقوق الغير في الموقف الثاني، وبارًا بوالدته في الموقف الثالث. أعتقد أن الحكم سيكون صعبًا.
فطالما أن الإنسان خليط من التصرفات والمواقف وقد يصدر عنه موقف تراه فيه مذنبًا فتحكم عليه بأنه من أهل النار لا محالة في حين أنك لم تره باكيًا نادمًا بين يدي الله يطلب المغفرة وقد تكون توبته مقبولة بلا شك. لذا أعفانا الله تعالى من محاولة الكشف عما تكنه الصدور لأنه وحده القادر على ذلك ووحده يحاسب عباده إن شاء عذب وإن شاء غفر.
ولو تأملنا الحال لوجدنا أن الانشغال بالآخرين والحكم عليهم فضلًا عن أنه يوقع الإنسان في الإثم؛ فهو يلهيه عن متابعة نفسه وتزكيتها فيصدر منه ما يعيبه على غيره وهذا جزاء عدل في رأيى.
الحديث الشريف الذى تواترت رواياته أن أسامة بن زيد قتل رجلًا ظهر منه الكفر ثم فى اللحظة التي شعر فيها بأنه مقتول لا محالة نطق كلمة التوحيد(لا إله إلا الله) وبالرغم من ذلك قتله أسامة، فلما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما حدث غضب النبي من تصرف أسامة وسأله باستنكارٍ للفعل((أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا)) هذا الموقف فيه من الدلالة على أن مكنونات الصدور من عمل الله ولايكلف بشر بالحكم على ما فيها .
والحقيقة أن الإنسان بوجه عام غير مكلف بالحكم لا على ظاهر الأفعال ولا باطنها. دع الحكم لله ولينشغل كل إنسان بنفسه، وكما تقول العبارة ” الطرق إلى الله بعدد أنفاس البشر”. فما تراه من شخص تقصير فى طاعة وأنك متفوق عليه فيها هو حكمُ جانبه الصواب فما أدراك بما بينه وبين الله وأي الطرق إلى الله سلك. فلكل إنسان حال مع الله، وكما ذُكر الإنسان تركيب معقد وخليط يصعب تفكيكه ومن ثم يصعب الحكم عليه من خلال كلمة أو موقف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى