في ذكرى انتصارات أكتوبر المجيدة، يعود اسم البطل الصول أحمد محمد أحمد إدريس إلى الواجهة، ذلك المجند النوبي في قوات حرس الحدود، الذي غيّر مجرى التاريخ بفكرته العبقرية، حينما اقترح على قياداته استخدام اللغة النوبية كوسيلة سرية لتبادل الشفرات بين قادة الجيش المصري.
ففي وقت كانت إسرائيل بارعة في فك الشفرات العسكرية خلال الحروب السابقة، جاء الحل من لغة لا يعرفها العدو، ولا تُكتب في أي قواميس، ولا يتقنها سوى أبناء النوبة. وعندما عرض إدريس فكرته، وصلت مباشرة إلى الرئيس الراحل أنور السادات، الذي استقبله شخصيًا، وأشاد بها قائلًا: «فكرتك ممتازة، لكن كيف ننفذها؟».
شرح إدريس للرئيس أن الحل يكمن في الاستعانة بأبناء النوبة الأصليين، المتواجدين في قوات حرس الحدود، وبالفعل تم تجنيد نحو 70 مجندًا نوبيًا لتشكيل فريق متخصص في إرسال واستقبال الشفرات. منذ عام 1971 وحتى حرب 1973، كان هؤلاء الأبطال خلف الخطوط ينقلون التعليمات العسكرية بكلمات نوبية لم يفهمها العدو قط.
ومن بين تلك الشفرات الشهيرة، جاءت كلمة «أوشريا» وتعني «اضرب»، وجملة «ساع آوي» أي «الساعة الثانية». ومع سماع هذه الإشارات، انطلقت ساعة الصفر في السادس من أكتوبر، ليبدأ الجيش المصري معركته التي صنعت نصرًا خالدًا لا ينسى.
ويذكر أن الرئيس السادات أوصى الصول إدريس بعدم الإفصاح عن سر الشفرة، وهدده بالإعدام حال كشفه، وظلت هذه الوسيلة العسكرية مستخدمة حتى عام 1994. لقد كان أحمد إدريس وأبناء النوبة جزءًا أصيلًا من معادلة النصر، وسرًا عسكريًا لم يُكتشف إلا بعد عقود، ليُثبت التاريخ أن الانتصار لم يكن سلاحًا فقط، بل فكرًا وإبداعًا وولاءً للوطن.