
بقلم د. هويدا مروان
لا شك أن التأمل قرين الصمت، وعلى مر التاريخ الإنساني كانت العزلة والتزام الصمت والتأمل هى الأدوات التى اعتمدها كل فيلسوف ونبي وولي؛ فمنذ فجر الفكر الإنساني تخبرنا الكتب التى تتناول تاريخ الفلسفة، فلاسفة ومذاهب أن تجلي الأفكار والأسئلة الوجودية والبحث عن الماوراء والعلة الأولى وما تلا ذلك من تجليات الفكر الفلسفي الذى تمخض عنه كل نظرية علمية سبقه فترة صمت واعتزال وتأمل عميق .
والعزلة وما يرافقها من صمت قوة لا يستهان بها، ومع أنبياء الله تجسدت العبرة لتكشف لنا عما تحمله العزلة من صفاء روحي مهد لتلقي الإشارات الإلهية من خلال الوحي؛ فقبل كل رسالة مر كل نبى بمرحلة عزلة وصمت وتأمل هيئته للحدث الأعظم على الإطلاق.
ومن المعلوم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مارس العزلة والصمت فى غار حراء لفترة من الزمن الذى سبق نزول الوحي، كما كان ذلك من سنن النبيين من قبله، جميعهم مارسوا العزلة والتزام الصمت لفترات قبل تكليفهم. وماكان صوم مريم إلا صمتًا؛ أمرها ربها أن تأكل وتشرب وتقر عينًا ولا تكلم إنسيًا، فنذرت للرحمن صومًا. كما مارس الأولياء والصوفيون الصمت فى خلواتهم التأملية.
وكانت العزلة والتأمل وما فيها من صمت هى الطريق الممهدة لأعظم اكتشافات علمية على مر التاريخ البشري، فعندما اضطر نيوتن إلى العزلة داخل مزرعة أسرته فى الريف أثناء تفشي الطاعون فى لندن فى الفترة(1665-1666) مثلت فترة عزلته تلك أخصب فترات إنتاجه العلمي؛ فهى الفترة التى وضع فيها أسس نظرية الجاذبية، كما أن ألبرت أينشتاين الذى اشتهر بما يطلق عليه تجارب الفكر وهى التجارب التى كان يجريها فى فكره فقط، فكان يتخيل نفسه راكبًا على شعاع ضوء مثلًا، هذه التجارب كان يسبقها عزلة تامة وصمت عميق. كما وضع ديكارت أساس الفلسفة الحديثة أثناء فترة من العزلة والصمت والتأمل العميق.
وفى الحضارة العربية الإسلامية كانت عزلة الغزالي هى النموذج الأبرز، فكانت خلوته المعرفية وبحثه عن علم اليقين هى المختبر الذى وضع فيه التجربة المعرفية محل اختبار، اختبر فيه صحة المعرفة وقد نتج عن هذه الخلوة أعظم كتبه ” إحياء علوم الدين” الذى مزج فيه بين الشريعة والحقيقة والعقل والقلب، وهوما أثر فى مسار التصوف الإسلامي فيم بعد.
كما أن ابن سينا وعزلته داخل السجن ساعدته على كتابة أجزاء من موسوعته الطيبة الضخمة ” القانون فى الطب” والتى دامت لقرون المرجع الطبي الرئيس فى أوربا. وهذا جابر بن حيان ومختبره الذى يعد مكان عزلته الذى طور فيه منهجه التجريبي العلمي واخترع فيه الأدوات الكيمائية التي لا تزال تستخدم حتى اليوم.
ولما ابتعد أبو ريحان البيروني عن بلاط الأمراء وانغمس فى عزلته العلمية مراقبًا وراصدًا الظواهر الطبيعية أنتج أعظم أعماله” القانون المسعودى ” فى الفلك و” التفهم لصناعة التنجيم” كما كتب دراسته الرائدة ” تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة فى العقل أو مرذولة “.
أما ابن الهيثم فى عزلته القسرية والتي أرادها وسعى إليها سعيًا كما تشير المصادر التاريخية؛ فهو الذى ادعى الجنون حتى يتخلص من دنس الاقتراب من السياسة وضجيج بلاط الأمراء وما يحاك فيه من مكائد ومؤمرات، فلما أجبر على تلك العزلة واستغلها فى التأمل والبحث والتجريب أنتج أعظم كتاب فى تاريخ العلم ” كتاب المناظر” الذى دحض فيه نظرية إقليدس وبطليموس حول الرؤية وقدم نظريته المبدعة التى أثبت فيها أن الضوء يصدر من الأجسام إلى العين وليس العكس؛ مؤسسًا بذلك علم البصريات الحديث.
واشتهر أبو بكر الرازى بانشغاله الكبير بالعلم لدرجة الهوس، مما أدى به إلى عزلة فى مكتبته ومختبره ونتج عن تلك العزلة كتابه ” الجدري والحصبة ” الذي ميز فيه بين الجدري والحصبة لأول مرة، كما أنتج كتابه الضخم ” الحاوى فى الطب”.
الحقيقة أن الأمثلة لا حصر لها لما مهدت له العزلة الإيجابية من أعمال كان لها جل الأثر فى التاريخ الإنساني وهنا لا بد من التأكيد على أن المقصود العزلة الإيجابية التى تكون بدافع العمل والإنجاز والتأمل والتطهر الروحي وليست العزلة الناتجة عن مرض نفسي. فكلنا يحتاج تلك العزلة ولو ساعة يوميًا.
والأبحاث الحديثة فى علم النفس تكشف عن أهمية العزلة والتزام الصمت على فترات من الزمن كى تنقى الروح وتطهر النفس ويعاد شحن طاقتها التى استنزفت بسبب ضجيج الحياة الاجتماعية وهنا ألتمس العذر من ابن خلدون، نعم الإنسان كائن اجتماعي لاشك؛ ولكنه يحتاج بين الحين والآخر لممارسة العزلة؛ ليرتاح العقل، وتهدأ الروح، وتطمأن النفس؛ ففى الصمت والعزلة يتوقف الضجيج الخارجى وينصت الإنسان لصوته الداخلي، فلنستمع لذلك الصوت، ولنتحاور مع أنفسنا وندع أرواحنا تناجي ربها فتتزكى وتعود إلى فطرتها الأولى.





