أدب

قراءة نقدية لرواية القادمون للكاتب د.أحمد خالد مصطفى

قراءة نقدية لرواية القادمون للكاتب د.أحمد خالد مصطفى

بقلم منى عبد اللطيف

القادمون أحجية حية ازاحت ستار المسرح العتيق لتعلن البداية…

تعتبر القادمون هي أحدث روايات الكاتب د. أحمد خالد مصطفى وكعهدي به كقارئة صاحبت قلمه منذ سنوات اختلف معه أحياناً وأحياناً أخرى أتفق، فهو من الكتاب المثيرين للجدل حيث كرس قلمه للبحث والتنقيب ونفض الغبار عن الأسرار وصياغتها في صورة روائية معتمدا على العديد من القراءات والمصادر وعلى براعته كعقلية نابضة بالذكاء والحيلة يتلاعب بالكلمات صانعا من كل عمل أحجية تحاصر قارئه وتحيله لحالة نهم وتيه بين كم المعلومات والصور المتحركة والرهان هنا يكون على ترك الأثر وهو دوما ما يربح وإن أنكر البعض ذلك…

مقالات ذات صلة

هو رجل فكر في الممنوع وتجاوز الخطوط الحمراء في زمن كبلت فيه العقول بإرادتها واختبأت خلف قضبان الخوف والممنوع فأصبحنا كقطعان مرددة (هذا ما وجدنا عليه آباؤنا) وتغافلنا عامدين عن الحكمة وراء أول كلمة صيغت في القرآن الكريم وهي (اقرأ) وعما يميز الإنسان عن سائر الخلق وهو العقل والخيال والتفكر في كل شيء… فلو أراد الله أن يخلقنا على شاكلة واحدة لما استعصى عليه ذلك وهو القادر على كل شيء.

قراءة نقدية لرواية القادمون للكاتب د.أحمد خالد مصطفى

وقبل أن اتحدث عن رحلتي داخل الرواية يجب أن أتحدث عن بعض الفنيات التي خدمت النص بشكل ملحوظ بداية من الغلاف والذي يحمل شعار الماسونية وللوهلة الأولى سنتسائل (لما كاتب يهاجم النظام الماسوني ويفضح ألاعيبه يستعين بشعاره ويضعه بشكل واضح ومفصل على غلاف عمله الأدبي؟) وهنا في اعتقادي كانت السخرية فهو لم يستعن به فقط بل إن الشعار يحمل دلالة حقيقية داخل العمل وتخدم سير العمل،
كيف؟
سأجيبكم، شعار الماسونية الظاهر بشكل واضح عبارة عن مثلث تتوسطه عين وهنا المثلث يمثل بأضلاعه الثلاثة الخطوط الزمنية الرئيسية وهي الماضي والحاضر والمستقبل وداخل العمل استعان الكاتب بحاضرك وارتحل بك رحلتين واحدة للماضي وواحدة للمستقبل وكل رحلة تحمل رسالة ودور ولها امتداد يلازمك للنهاية، أما عن العين فهي عين الحقيقة الكاشفة حيث استخدم الكاتب في الرواية في معظم المواضع أسلوب الراوي العليم والذي تمثله العين حيث يكشف لك الحقائق ويزيل غشاوة الملهيات ويعكس الضوء (الرؤية) على المشهد الفعلي الحقيقي الذي يختبئ تحت طبقات مشحونة من المهاترات التي لم نتبين تفسيرها إلا عندما رأينا خبيئتها بعين الحقيقة.
أما عن اختيار اللون البني للغلاف ففي اعتقادي له دلالة هامة فاللون البني يمثل التراب أو باطن الأرض أو خبيئة العالم وقلبه ويدل أيضا على الهدوء والأمان من فوضى ذلك العالم ومن هنا نتبين رسالة الكاتب من غلاف عمله حيث لم يترك شيء للصدفة فلا مجال للصدفة في عالم أحمد خالد مصطفى.
ننتقل بعدها للإهداء الذي كتبه الكاتب لي كقارئة وهو (أتمنى أن تعجبك الرواية بما فيها من حقائق) وسأتناول في البداية الرواية وهي رواية بحثية واقعية بأبعاد خيالية حيث صيغت فصولها داخل إطار من الخيال العلمي ساهم في خلق روح من التحدي والتجديد وكسر حدة الملل الذي ربما قد يصيب البعض من كم المعلومات المطروحة، بل إن الإطار الخيالي فرض نوع من اليقظة بعقل القارئ فجعله منتبهًا لكل تفصيلة تطرح داخل العمل والبحث عن أصولها وسبب طرحها في هذا الموضع بالتحديد، وفي رأيي تلك عبقرية من الكاتب وهي ليست بجديدة عليه فهو صانع أحجيات من الدرجة الأولى وكما قلت سابقًا لا مكان للصدف في عالم أحمد خالد مصطفى…

قراءة نقدية لرواية القادمون للكاتب د.أحمد خالد مصطفى

وتعتبر رواية القادمون من الروايات متعددة الأصوات حيث صيغت في عدة أزمنة وسكنتها عدة شخصيات وإن كانت السيطرة للراوي العليم فيجب أن أنوه أن حتى الرواي العليم أختلف صوته ودوره من فصل لآخر ولذا فهي رواية متعددة الأصوات والحبكات ومحفوفة بالمخاطر والمفاجآت التي صيغت بالفصحى سردًا وحوارًا بلغة منمقة ليست صعبة حد التعقيد ولا بسيطة حد الركاكة هي رواية ساخرة على استحياء سمتها الذكاء تعددت بها الرمزية بين رمزية اللون والحدث والمكان وبعض الأزياء والأدوار والعدد.

رحلتي داخل العمل:

حين قرأت المقدمة ابتسمت واتقدت بداخلي الحماسة لما هو قادم وتذكرت بداية انتيخريستوس فمن قال إن القادمون لا تسكنها الشياطين؟!

وفي تلك الرواية لن أصوغ رحلتي في كل فصل كما عودتكم حتى لا أفقدكم متعة قراءتها واكتشاف جديدها ولكن سأكتفي باستنتاجاتي التي خرجت بها من هذه الرحلة التي امتعتني واثرتني كثيرًا وإن لم تكن بعيدة أو غريبة عني بشكل كبير…

ووجب في البداية أن أشيد بكم المعلومات التاريخية وعبقرية الربط بينها وبين الأحداث والأسباب لما هو قائم واستخدام التكنولوجيا المستقبلية والتي بدأت تظهر بوادرها من الآن وربطها بالماضي والحاضر، ومن أهم ما تم طرحه من وجهة نظري داخل العمل أسباب الصراع الديني أو بمعنى أدق أسباب إصرار اسرائيل على وضع المشهد العالمي داخل إطار ديني وصراع عقائدي وهو أبعد ما يكون عن ذلك بل إنه مخطط استعماري من الدرجة الأولى، والتطرق لبدايات تسييس الأديان واستخدامها لتحقيق الأطماع الاستعمارية والالتزام بسرد الحقائق دون انحياز وإن كنت أختلف مع الكاتب في بعض النقاط، ولكن ما لفت نظري بل وأخافني هو ما تم طرحه في الفصل الرابع والذي فاجأني لأني تناولته بشكل فانتازي في أحد أعمالي الذي صدر تزامنا مع القادمون وقد استوقفني ذكري لتلك التفاصيل من خيالي وهي في الأصل مخطط سيحدث ولا أدري أهو توارد خواطر أم إن الوقت قد أقترب بما يكفي واهترئ الحجاب؟!

لكني خفت، وأنا شخصية لا تخاف بسهولة…

قراءة نقدية لرواية القادمون للكاتب د.أحمد خالد مصطفى

ومن الملهم في العمل هو الإسقاطات المتعددة والتركيز على قوة الكلمة وأثرها على التحكم في الوعي العام، ولن أطيل أكثر في رحلتي فهي رحلة طويلة ومتخمة رغم متعتها،

لكن دعوني أنتقل بسرعة إلى النهاية والتي لم تقنعني بشكل كافي ربما لأني حاليًا أبحث في شأن ما تجلت بوادره برؤية مختلفة لم يتطرق لها الكاتب ولكن سأنوه عن وجهة نظري، في بداية المقال قلت إن القادمون أزاحت الستار معلنة البداية وهنا لم أقصد البداية التي تنبأ بها الكاتب فاللعبة لم تنتهي بعد ولكن الستار يزاح شيئا فشيئا منذ سنوات وقت تعلمت ألا استهين بذكاء خصمي والخصم هنا ليس خصم عادي وليس مخيف إنما هو لاعب بارع وأحيانا لكي تربح وتحكم سيطرتك يجب أن تعطي خصمك ما يشتهيه وما أكثر شهوة من لذة الكشف عن الأسرار وشعور الإنسان بذكائه وأهميته وغفلة خصمه…
ما أجمل من أن تمسك بالخيوط تشدها وترخيها كيفما شئت…

وهذا هو الفخ الذي وقعنا فيه منذ سنوات، فمن وجهة نظري التي تحتمل الصواب والخطأ إن الكشف عن الأسرار مقصود كتهيئة على مر السنوات وخلق شيطان واحد وسيناريو معين والبحث عنه ونحن كالفئران في المتاهة نطارد ذلك الشيطان الذي هو موجود بالفعل وتلك أفعاله وأسراره فعلا والخدعة هنا في الحقيقة فمن سيظن أن هناك شيء يختبئ خلف الحقيقة المكتشفة بصعوبة التي عانى كاشفيها وتم اغتيالهم بطرق بشعة كيف تضيع كل تلك الأعمار هباءً، ولكنها لم تضع هباء هي ضاعت لذلك الغرض أن نظن أنفسنا الآن أذكياء وكشفنا كل شيء ولكن القادم يستلزم السقوط الأخير لإتمام المخطط فالكيان لا تربطه دولة بعينها أو دين بعينه، بل هو مخطط عالمي رهانه إما كل شيء أو لا شيء ونعم سيسقط لكنه ليس كل شيء بل هو فقط القناع الذي تختبئ خلفه الحقيقة الخداعة التي هيأت نفسها للثوب الجديد.

في النهاية أشكر الكاتب د. أحمد خالد مصطفى على هذا العمل الغني القيم الذي يحمل الكثير وأرجو أن تعذر أختلافي وتضعه في الحسبان ولا تنسى أن العدد ثمانية هو عدد السحر.
قراءة نقدية لرواية القادمون للكاتب د.أحمد خالد مصطفى

قراءة نقدية لرواية القادمون للكاتب د.أحمد خالد مصطفى

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى