
حين ينخفض الضوء… وتتكشّف القلوب
كتبت : نعمة حسن
تجربة شخصية… أغلبنا مرّ بها
تجربتي… عن الذين اقتربوا من دائرتك… ولم يقتربوا من قلبك.
أحيانًا… نحن لا نرى الناس كما هم، ولا حتى كما نظنّهم.
وأحيانًا—مهما اقتربوا منا—يبقى في داخلنا شيءٌ يرفض هذا القرب.
إحساسٌ خفيّ غير مريح… سؤالٌ صامت:
لماذا أقلق من هذا الشخص؟ ولماذا لا يطمئن قلبي له رغم كل هذا الحضور؟
نفتح بيوتنا…
نبسط الخير… والواجب… والأصول… والعيش والملح… وإكرام الضيف… والعطاء لجبر الخواطر…
ونظنّ أن الأبواب المفتوحة تُدخل القلوب.
وعلى الجانب الآخر…
نعيش بين ناسنا وأهلنا… حولنا كبارٌ لهم قيمة وهيبة… يصنعون دائرة ضوءٍ ممتدة…
دائرة تُعلي المعنى، وتُعظّم المقام، وتُعطي للحضور وزنًا وهيبة.
وفي الزحام…
تقترب تلك الوجوه… تُظهر الودّ…
وهي—في الحقيقة—ليست على ذات القيمة، ولا الفكر، ولا حتى المظهر…
تحاول أن تكون إلى الجوار.
تحاول أن تكون من أهل الدار.
تحاول الإرضاء… لا حبًا… بل لتكون موجودة فقط؛
لأنها تعلم أن لا أحد يشعر بوجودها وهي بعيدة.
وهذا الشعور يولّد مقارنة… ثم نقصًا… ثم سؤالًا مؤلمًا:
لماذا هم… وليس أنا؟
لكن الحقيقة لا تظهر في الزحام…
بل حين ينخفض الضوء.
فالقرب الذي كان يُراقب…
كان يرى الخير عندك… ويراه كبيرًا في عينه.
ولربما يعود إلى بيته ويقول لأمّه:
لماذا هم هكذا… ولماذا نحن هكذا؟
فتنظر الأم بعينٍ ترى النقص لا النعمة…
وتزرع في القلب مقارنة… ثم نقدًا… ثم تشويهًا للصورة.
فيكبر الشعور… لا حبًا… بل غُصّة.
ويكبر القرب… لا مودة… بل رصدًا صامتًا.
كان قريبًا في المكان… بعيدًا في القلب.
لحظة الاكتشاف
يمضي الزمن… ويرحل الكبار بقيمتهم وهيبتهم التي كانت تحيطك.
يهدأ الضوء… وتخفّ الدائرة…
فتلتفت… فتراهم كما لم ترهم من قبل.
كانوا يحاولون أن يكونوا داخل الضوء…
لكن قلوبهم كانت في الظلّ.
تراهم وقد تغيّر حالهم…
امتلكوا القليل… لكنهم لم يمتلكوا صفاء القلب.
لم يقتربوا—ولو بنسبة ضئيلة—من قيمتك… ولا من نجاحك… ولا من صدقك.
هنا يظهر ما كان مخفيًا:
حقدٌ واضح… نظرةٌ جريئة… كلماتٌ باردة.
لكن رغم كل شيء…
يعجزون أن يكونوا شيئًا منك… أو من قيمتك… أو حتى مما حباك الله من كاريزما وتميّز.
فحين يفضح الغِلّ صاحبه
الغِلّ لا يبني…
الغِلّ يأكل.
يأكل الرضا…
يأكل السلام…
يأكل القلب نفسه.
يقتربون ظاهرًا… ويتباعدون شعورًا.
يحاولون التماسك… لكن الفراغ واضح.
يظهرون قوة… لكن الحقيقة هشاشة.
ليس لأن أحدًا أسقطهم…
بل لأن القلوب—حين تمتلئ مقارنةً—تفقد نورها.
الحياة لا تكشف الناس في البدايات…
بل في النهايات.
حين يهدأ الصخب… ويذهب الضوء…
وتبقى القلوب الجميلة وسط بقايا… أو فتات… أو أشباه أناس بلا قيمة.
هناك…
لا ينفع تمثيل… ولا ينقذ تظاهر.
تعرف حينها:
أن بعضهم عاش قريبًا منك… لا حبًا… بل انتظارًا… بل رغبةً في أن يكون داخل دائرة ضوءك.
وأن بعض القلوب لا تتعب لأنها فقيرة…
بل لأنها ممتلئة غِلًّا.
والغِلّ… لا يؤذي من حوله فقط…
بل يهري صاحبه… حتى يفرغ.
فلا تنشغل بمن أراد الضوء دون أن يحمل نورًا…
ولا تحزن على قلبٍ اختار الظلّ…
ولا تندهش إن رأيتهم عاجزين أن يكونوا—ولو قليلًا—مما أنت.
لأن القرب الحقيقي…
ليس أن يقفوا حولك…
بل أن يصفو قلبهم لك.
وفي النهاية…
لا يبقى معك من كان في دائرتك…
بل من كان في قلبك.
أما من كان ملتصقًا بك يريد أن ينال من الضوء المسلّط عليك…
أو يستغلك في شيء…
أو فقط لا يريد أن يكون منبوذًا…
فحين تهدأ الدنيا من حولك…
ويرحل أسود المكان…
ويبقى الذي كنت تراه نملًا…
فتكتشف أنه كان ثعبانًا… أو عقربًا… أو سوسًا ينخر العظام…
وأنه ليس كما كنت تراه أو تهمله…
بل يحمل في داخله الحقد والغلّ والحسد…
يريد أن يكون أنت…
أو أن تزول من أمامه…
لأن وجودك—مجرد وجودك—يلغيه.
وأنت—للأسف—كنت مشغولًا عنه…
لم تعره اهتمامًا؛ لأنه بلا قيمة.
والآن… وقد رأيته بوضوح…
وعرفت ما به من بركان غِلّ…
فيجب عليك أن تمحوه من كشف معارفك… أو أقاربك… أو أي علاقة—أيًّا كانت.
واعلم—عزيزي القارئ—
أن من يكرهك دون سبب… ثق في شيء واحد:
أن وجودك… مجرد وجودك… يلغيه.
ولهذا يكره هذا الوجود.
حفظنا الله جميعًا من كل منافق… مترقّب… يكره وجودنا…
ومن شرّ حاقدٍ حاسدٍ يظهر ضعيفًا… وداخله ماردٌ من كراهية.
فالله خير
… وهو أرحم الراحمين.
مع تحياتي…





