الأسبوع العربيقصص ورواياتمجلة الأديب العربي

……..حكاية معلمة…….

حكاية معلمة
بقلم د. هويدا مروان
هو عنوان الرواية التي انتهيت من قراءتها مؤخرًا للأديبة الإسبانية خوسيفينا ألديكوا ترجمتها وقدمت لها هيام عبده محمد، وقد صدرت مترجمة في العام 2011 عن المركز القومي للترجمة. الرواية تحكي قصة المعلمة جابريلا بطلة الرواية التي تخرجت في المدرسة العليا للمعلمات في العام 1923؛ ويوم تخرجها يرتبط بحدث قومي هو مشهد زواج الضابط فرانسيسكو فرانكو الذي سيحكم إسبانيا لمدة ستة وثلاثين عامًا. تجوب جابريلا القرى النائية في شمال إسبانيا، وتغامر بالسفر إلى غينيا بحثًا عن تحقيق حلمها بأن تصبح إسبانيا رائعة ومتقدمة من خلال التعليم؛ لكنها تعود بعد أن يهزمها الطقس والتخلف والعنصرية وتبدأ حلمها من جديد.
هذه الرواية أثارت بداخلي شجون، فأنا مَثلي كمَثل كل من عمل بمهنة كانت وستظل برغم كل شىء أسمى وأرقى مهنة عرفتها البشرية؛ فهي مهنة ترتبط بصناعة العقول وتشكيل الوجدان، أو بتعبير شيخ التربويين العرب الدكتور حامد عمار ” بناء البشر”.
أنا أيضًا كانت لي حكاية؛ ولكن لا بد من الإقرار بأن هذه المهنة لم تكن حلمي وهدفي طوال حياتي الدراسية وأعتقد أن هذا ينطبق على أكثر من عمل بها؛ ففي كثير من الأحيان كانت هي الوظيفة المناسبة أو المتاحة لا أكثر.
الحقيقة أن الحلم الذي تملكني منذ دراستي بالمرحلة الإعدادية كان العمل بالصحافة وبالتحديد جريدة الأهرام، وبالطبع معروف ما للأهرام من قيمة ومكانة؛ فقد بلغ الخيال بي مبلغه وجنح وصور لي أنه يمكننى تحقيق ذلك (أحلام اليقظة لا سامحها الله).
وبعد حصولي على مجموع مرتفع نسبيًا في الثانوية العامة وبمقاييس التسعينيات دخلت بفضله في عداد المتفوقين أصحاب المرحلة الأولى؛ تبعًا لقواعد مكتب التنسيق واتتني الفرصة للالتحاق بجامعة عين شمس وصرت من طالبات كلية البنات، واخترت قسم اللغة العربية لأنه بحسب فهمي وتقييمي الساذج في ذلك الوقت ونتيجة قلة الخبرة طننت أن من يعمل بالصحافة يلزمه الالتحاق بقسم اللغة العربية فظننته الباب الوحيد المؤدي إلى بلاط صاحبة الجلالة. وشجعني على ذلك عشقي للغة العربية وتفوقي في دراستها؛ فكنت ممن يحققون أعلى الدرجات فيها على مدى سنوات الدراسة.
ثم تحطم الحلم على أعتاب كلية البنات؛ فكما هو معروف عن أقسامها أن كل قسم بها يتفرع إلى عام وتربوي وكأنها كليتان؛ بل كليات عديدة، والقسم التربوي هو الأعلي مجموعًا ويضاهي كلية التربية، أما القسم العام دراسته أكاديمية بحتة ولا تدرس فيه المواد التربوية، ويعادل كلية الآداب. ولما كان مجموعي يقل بدرجات معدودة عن القسم التربوي تم قبولي بالقسم العام.
ومنذ اليوم الأول أصبح التفاخر والمباهاة سمة لازمة لكل من التحقت بالقسم التربوي وأصبح التعامل وكأن أصحاب القسم العام من المتعسرات دراسيًا؛ لا لشىء إلا أن أصحاب القسم التربوي سيتم توظيفهن مباشرة بوزارة التربية والتعليم وهي فرصة عظيمة بالطبع؛ فالبطالة متفشية تنخر في أحلام الشباب.
وبسبب هذه النظرة أصبح جل طالبات القسم العام يسعين للالتحاق بعد التخرج بالدبلومة التربوية للتأهيل للعمل كمعلمات، وكان متاحًا في تلك الفترة العمل بالتدريس دون الحصول على الدبلومة التربوية؛ لكن الدبلومة تعطي امتيازًا خاصًا عند التقديم في المسابقات العامة للتوظيف، وكنت واحدة من بين هؤلاء وتلاشى الحلم القديم. وساعد على ذلك طريقة التدريس فى قسم اللغة العربية وافتقادي للحياة الجامعية التي طالما حلمت بها؛ فقد غلب الروتين وسيطرت الرتابة.
وانصياعًا للتقاليد الحاكمة للمجتمع الريفي الذي يسمح للفتاة أن تتعلم بجامعات العاصمة ثم تعود أدراجها إلى قريتها لتتزوج وتبدأ فصلًا جديدًا من فصول قصتها، وإن كانت تسعى للعمل فعليها البحث عن وظيفة فى نطاق مكان إقامتها أو الأماكن المجاورة، وبطبيعة الحال كانت الوظيفة المناسبة لمؤهلي الدراسي هى معلمة للغة العربية بإحدى مدارس القرية. وكانت أولى المدارس التي عملت بها مدرستي الإعدادية التي قضيت بها أمتع مراحلي الدراسية، عدت إليها معلمة. وكان معلموها هم أساتذتي الذين درسوني، فكانت المشاعر مختلطة أتعامل معهم من منطلق الزميلة أم التلميذة مع معلميها وظل هذا الشعور يلازمني طوال فترة عملي بهذه المدرسة والتي استمرت لثماني سنوات. عندما أتأخر عن موعد العمل أشعر بأنني سأقف مع الطلاب المعاقبين بسبب تأخرهم. ثم انتقلت بعدها للعمل بمدرسة بإحدى القرى المجاورة لمدة سبع سنوات أعدها من أكثر سنوات العمل متعة وتأثيرًا وذلك لطبيعة المكان والزملاء والطلاب. ومن بعدها كانت النقلة الأخيرة للعمل في أكثر من مدرسة بإحدى المدن الجديدة في نطاق المحافظة التى تضم محل إقامتي.

ومنذ المشهد الأول في الحكاية قررت أن أكون معلمة غير عادية، ولا أدري إن كان من بين عيوبي أم يحسب من حسناتي السعي الدائم للكمال والتميز، فلا أكتفي بعمل المطلوب بل أرى دائمًا أنني لابد أن أبذل جهدًا مضاعفًا في كل ما أقوم به ولا أدري إن كان هذا نقص في الثقة بالنفس أم رغبة في التميز أم خوف من وخز الضمير الأمر يحتاج بعض التأمل!
وفي البداية غلبني الحماس الذي يدفعه الحكم على الأمور من منظور واحد، ومع قلة الخبرة والرغبة المحمومة لإثبات الذات والخوف من الوقوع في براثن الفشل؛ كانت علاقتي بطلابي تتنازعها مشاعر متضاربة بين الرغبة في وضع حدود آمنة وفرض النظام وفي نفس الوقت امتلاك قلوبهم فأنا بطبيعتي عاطفية لحد التطرف؛ فكنت قاسية بعض الشىء مع كل مشاغب وغاية في الحنو مع الغالبية من الطلاب الذين لمست ودهم والتزامهم ولم يكن لدي النضج الكافي والخبرة التربوية اللازمة لاحتواء كل متمرد ومثير للأزمات من بين طلابي، ومع مرور الوقت نمت بيني وبينهم مشاعر ود وارتباط واحتواء أوصلت بعضهم للبكاء حزنًا بسبب زواجي وتركي العمل لفترة قد عدت بعدها، وكنت أنجبت ابنتي الكبرى وتغير في شخصيتي ما قلب تعاملي مع طلابي للنقيض، فقد اكتسبت الكثير من القدرة على ضبط النفس والتحكم في مشاعر الغضب والصبر الجميل.
واندمجت مع طلابي ولم تكن العلاقة خاصة بالمادة التدريسية فقد ألزمت نفسي إلى جانب ما ألزمتني به المدرسة بأنشطة إضافية انغمست فيها مع طلابي وكانت من أهم ما وثق علاقتي بهم. وفي اعتقادي أن النشاط المدرسي هو كلمة السر لجذب الطلاب وتنمية ملكة الإبداع لديهم كما أنها أهم ما يقوي الصلة بين المعلم وطلابه.
تعاملت مع طلابي بوصفهم أبنائي؛ بكل ماتحمل الكلمة من التزام، فأهتم بأدق تفاصيلهم، ألومهم حين التقصير لا لترتفع درجاتهم فأنال أنا وسام إتقان العمل بل بدافع من شعور الأمومة الذى يرى فيهم حلمها؛ فيرفض تقصيرهم. حاولت بكل طاقتي أن أزرع فيهم القيم النبيلة ولعلي حققت بعض النجاح.
أحببت المهنة التى لم أحلم بها يومًا، لكنني منحتها كل ما أملك من حب، وما كرهت فيها إلا كونها وظيفة تتحكم فيها قوانين ولوائح جافة وروتين قاتل ونفوس تفتقد رقي المشاعر وإنسانية التعامل. كم تمنيت لو مزقت الدفاتر الراصدة للدرجات وموعد الحضور والانصراف وتصحيح الاختبارات، أعرف أن هذا لايجوز لا بد من شىء ملزم حتى لا تعم الفوضى.
تخيلت لو ألغيت تلك القواعد وتركوني مع طلابي أعلمهم بالطريقة التى أودها كما كان يفعل الفلاسفة قديمًا دون توقيعات وجزاءات ورصد للدرجات؛ لكنها أحلام اليقظة مرة أخرى تبًا لها!
لم يلح بخيالي طوال فترة عملي كمعلمة لما يربو عن اثنين وعشرين عامًا أن أتقلد أحد المناصب الإدارية القيادية كأن أكون مديرة مدرسة أو إدارة تعليمية مثلًا، لم أر نفسي إلا معلمة وفقط، لا تروق لي تلك المناصب بأي حال؛ حتى وإن أقنعت نفسي فى فترة ما بضرورة التفكير في ذلك خاصة مع بدء دراستي العليا لكن سرعان ما عدلت عن تلك الأفكار الغريبة عني.
الحقيقة أنا ممتنة غاية الامتنان لتلك الفترة التي قضيتها معلمة؛ ممتنة لكل طالب وطالبة غمرني بفيض مشاعره وشعر أيضًا بخالص حبي وأمومتي التي غلبتني في كثير من المواقف، ممتنة لكل طالب مشاغب ومتمرد رفض الالتزام والقواعد وحاول جذب انتباهي لكني لم أفهم الإشارة في البداية فقد تعلمت منه أن كل سلوك يقف خلفه فيض من المشاعر التي تحتاج احتواء وتفهم وأن الحكم علي ظواهر الأمور يفتقد الدقة والحكمة. ممتنة أيضًا لكل الظروف التي وضعتني تحت ضغط الاختيار بين أن أعمل ما أحب أو أن أحب ما أعمل أو لا أحبه لكن لابد من الالتزام بكل مهامه؛ بكل ما فيه من عنت وبؤس وفساد (بحسب ما يراه بعضهم هو حد لاقي). أحببت ما أعمل بطريقتي ورفضت الاستمرار حين فرض علي هذا النوع من الحب المشروط؛ فقد كان شرطه مجحفًا فاخترت في النهاية ألا أعمل إلا ما أحبه دون شرط أو قيد.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى