أثرُ الإساءة ونقشُ المعروف: حكايةُ الصديقين في قلب الصحراء
قلم:وائل عبد السيد
في قلب الصحراء القاحلة، حيث لا صوت يعلو فوق صفير الرياح وحرارة الشمس الملتهبة، كان هناك صديقان يقطعان الفيافي في رحلة طويلة. وفي لحظة من لحظات التعب والإرهاق التي تستهلك الأعصاب، احتدم بينهما نقاش حاد، وسرعان ما تطور الأمر إلى خلاف كبير، انتهى بقيام أحدهما بصفع الآخر على وجهه.
ساد الصمت الثقيل المكان؛ شعر الصديق المصفوع بألم جسدي، لكن ألم قلبه كان أشد وأعمق. لم ينطق بكلمة واحدة، ولم يرد الإساءة بمثلها، بل انحنى بهدوء وخطّ بأصبعه على الرمال الناعمة:
“اليوم.. صديقي المقرب صفعني على وجهي”.
من الرمال المتحركة إلى مياه الواحة
واصل الصديقان مسيرهما رغم الجفاء الصامت، وبعد ساعات من المسير، تراءت لهما واحة غناء تتوسطها بحيرة رقراقة. قررا النزول فيها للاستحمام والتخلص من عناء الطريق وغبار الرحلة. وبينما كان الشاب الذي تَعرض للصفع يسبح، تعثرت قدماه في مستنقع طيني مخفي، وبدأ يغرق ببطء في الرمال المتحركة.
في تلك اللحظة الحرجة، نسي الصديق الآخر كل خلافاتهما، واندفع بكل قوته نحو صديقه، مخاطراً بحياته لينتشله من الغرق المحقق. وبعد أن استعاد الشاب أنفاسه ونجا من الموت بفضل شجاعة صديقه، ذهب إلى صخرة صلبة كبيرة، وبدأ ينقش عليها بإصرار:
“اليوم.. صديقي المقرب أنقذ حياتي”.
فلسفة النسيان وخلود العرفان
وقف الصديق الذي صفع وأنقذ مذهولاً أمام تصرفات رفيقه، وسأله بفضول ممزوج بالحيرة:
“لماذا عندما آذيتك كتبت على الرمال، والآن عندما أنقذتك نحتَّ المعروف على الصخر؟”
نظر إليه الشاب بابتسامة تحمل الكثير من الحكمة وأجابه:
“يا صديقي، عندما يؤذينا من نحب، علينا أن نكتب إساءته على الرمال، حيث تستطيع رياح المسامحة والنسيان أن تمحوها بسرعة. أما إذا صنع إلينا أحدهم معروفاً، فيجب علينا أن ننقشه على صخر الذاكرة، ليبقى خالداً لا تذروه الرياح ولا تمحوه السنين”.
العبرة من القصة
تعلّمنا هذه القصة أن العلاقات الإنسانية تستمر بالتغافل عن الزلات وتقدير الجميل. إنها دعوة لأن نكون أوفياء للود، وأن نجعل قلوبنا واسعة كالصحراء تمتص الإساءة وتذوب فيها، وصلبة كالصخر في حفظ مواقف الوفاء والشهامة.
الخلاصة: لا تسمح لموقف عابر أن يمحو تاريخاً من المحبة، بل اجعل رياح التسامح ديدنك في الحياة.






