
تعلُّق يدمّر صاحبه في صمت
بقلم / سهير محمود عيد
هناك نوع من الألم لا يُرى، ولا يُحكى، ولا يترك كدمات على الجسد… لكنه ينهش الروح بصمت. إنه التعلّق؛ ذلك الشعور الخادع الذي يبدأ بطمأنينة، وينتهي باحتياج مُرهق يستهلك الإنسان حتى آخر نفس عاطفي لديه. التعلّق ليس حباً دائماً، ولا صداقة قوية دائماً، ولا اهتماماً بريئاً كما نقنع أنفسنا؛ أحياناً يكون اعتماداً نفسياً يربط القلب بسلسلة غير مرئية، ويجعل أي خطوة بعيداً عن الشخص أو الشيء المتعلق به أشبه بالسقوط في هاوية.
خطورة التعلّق أنه لا يبدأ فجأة. يتسرّب إلينا بهدوء… كلمة تهتم بي، رسالة تفرحني، وجود يمنحني شعوراً بالأمان. ومع الوقت أجد نفسي أحتاج هذا الوجود حتى أتنفس. أحتاجه لأهدأ. أحتاجه كي أشعر أنني مهم. وهنا يتحول الأمر من شعور جميل… إلى عبودية نفسية لا نلاحظها إلا بعد فوات الأوان.
أخطر ما في التعلّق أن الإنسان يربط قيمته بما يتعلق به:
بشخص، بعلاقة، بعمل، بعادة، بمنصات التواصل، وحتى بتفاصيل بسيطة. نعلّق سعادتنا على شيء خارجي، فنخسر القدرة على الوقوف وحدنا. نعيش دائماً في خوف… خوف من الفقد، من البعاد، من التغيّر، من أن يستيقظ الآخر ذات يوم ويقرر أن وجوده لم يعد ضرورياً في حياتنا.
وهذا الخوف وحده كفيل بأن يجعل الإنسان يتنازل عن نفسه، عن كبريائه، عن راحته. يبقى حتى لو كان مُهملاً. ينتظر حتى لو كان مُستنزَفاً. يقبل القليل حتى لو كان يستحق الكثير. فالتعلّق لا يعلّمنا الصبر، بل يعلّمنا التشبث بما يؤذينا.
والأصعب أن التعلّق يُعمينا. يجعل الإنسان يضخم دوره في حياة الآخر، ويبرر التجاهل، ويبحث عن أي بادرة اهتمام مهما كانت صغيرة ليقنع نفسه أن العلاقة ما زالت بخير. ومع الوقت ندخل في دائرة مَرَضية: نحتاج، فننتظر. ننتظر، فنتألم. نتألم، فنعود نتعلق أكثر. وكأننا نصنع السجن بيدنا.
لكن هل التعلّق خطأ؟
ليس دائماً. نحن بشر، نحتاج أن نشعر بالأمان، نحتاج من يحتوينا. المشكلة ليست في الشعور… بل في الاعتماد الكامل. في أن نربط حياتنا بقلب إنسان آخر، أو بأمر غير ثابت، وننسى أن الأشياء تتغير، والناس تتبدل، والعلاقات لها عمر قد يطول أو يقصر.
الحرية الحقيقية تبدأ عندما نفهم أن أقوى روابط الحياة يجب أن تكون… بأنفسنا أولاً. أن نمنح الآخرين حضوراً جميلاً، لكن لا نمنحهم مفاتيح هدوئنا. أن نحب دون أن نفقد هويتنا. أن نقترب دون أن نذوب. أن نلتفت لأنفسنا عندما نشعر أن العاطفة بدأت تتحول إلى استنزاف.
إذا أردت أن تحمي قلبك، فتعلم أن توازن الحب مع الحدود. امنح، واهتم، وشارك… لكن لا تجعل وجودك مرهوناً بوجود أحد. لا تترك نفسك معلقة في مساحة لا تليق بك، ولا تنتظر من أحد أن يملأ فراغاً بداخلك لم تملأه أنت.
التعلّق يُطفئ الإنسان ببطء… أما التوازن فيُعيد إليه الحياة.
والفرق بينهما قرار يبدأ من داخلك، أنت فقط من تستطيع اتخاذه.
وأخيراً …..
اللهم ارزقنا قلوبًا متوازنة لا تتعلق إلا بما كتبته لنا، ولا تنكسر إلا بين يديك، ولا تُحمِّلها تعلقًا يُتعبها ولا فقدًا يوجعها. اللهم اجعل سكينتك في صدورنا، وطمأنينتك في طرقات قلوبنا، واملأ حياتنا بما يرضيك ويصلحنا.





