الأسبوع العربيالأسرة والطفلالتكنولوجيا الحديثةتكنولوجيا ومعلومات

السوشيال ميديا… مذابح الرأي وخراب العدالة

السوشيال ميديا… مذابح الرأي وخراب العدالة

بقلم: خالد مراد

لم يعُد الناس يختلفون… بل يفترسون.

ولم تعد الكلمة تُناقَش… بل تُحاصَر حتى الموت.

في هذا العصر الرقمي، لم نطوّر أدوات التواصل فحسب، بل طوّرنا أدوات الإعدام.

ضغطة زر قد تشعل ساحة،
وصورة مجتزأة قد تُقيم مشنقة،
وجملة منزوعة من سياقها قد تصبح رصاصة رحمة في سمعة إنسان.

لم تعد الحقيقة هي الضحية الوحيدة…
بل أصبح الإنسان نفسه هو القربان.

نعيش زمنًا تُقام فيه المحاكم بلا قضاة،
وتُنفّذ فيه الأحكام بلا قانون،
ويُرفع فيه شعار العدالة بينما تُذبح الرحمة في العلن.

الجمهور هنا ليس شاهدًا… بل جلادًا جماعيًا،
يتدافع الناس نحو “التريند” كما يتدافع العطشى نحو السراب،
لا بحثًا عن حق،
بل بحثًا عن لحظة نشوة أخلاقية زائفة،
يوهمون بها أنفسهم أنهم أنقياء،
بينما أيديهم ملطخة بفضائح الآخرين.

أقسى ما في الأمر أن الضحية لا تُمنح فرصة للشرح،
ولا وقتًا للندم،
ولا مساحة للإنسانية.

خطأ واحد — حقيقي أو متخيّل —
يكفي ليُمحى تاريخ كامل من الخير،
وتُختزل حياة كاملة في لحظة سقوط.

أي قسوة هذه التي جعلت من البشر مادة ترفيه؟
أي زمن هذا الذي صارت فيه السمعة لعبة،
والتشهير تسلية،
والتحطيم بطولة جماعية؟
ننسى — ونحن نكتب ببرود خلف الشاشات —
أن خلف الحساب روحًا ترتجف،
وخلف الاسم أمًّا تبكي،
وخلف الصورة إنسانًا قد ينهار ولا يقوم.

وهنا تقف المعادلة الأخطر…
المعادلة التي يضيع عندها كثيرون بين الحق والوحشية:
الفرق بين كشف الفساد… وفضيحة الإعدام.

فكشف الفساد نورٌ يهدف للإصلاح،
أما الفضيحة فلهيبٌ يهدف للاحتراق.

الأول يبحث عن الخطأ ليعالجه،
والثاني يبحث عن المخطئ ليحطّمه.

الأول تحرّكه المسؤولية،
والثاني تحرّكه الشهوة الجماعية للشماتة.

ليس كل كشفٍ فضيلة،
ولا كل صمتٍ جريمة.

فحين يتحول الإصلاح إلى استعراض،
وتتحول العدالة إلى عرضٍ جماهيري،
نكون قد غادرنا ميدان الحق،
ودخلنا سيرك القسوة.

الفساد يجب أن يُكشف… نعم،
لكن دون أن نتحول نحن إلى فاسدين في الأسلوب.

يجب أن نحاسب…
لكن دون أن نُجرّد الإنسان من إنسانيته.

فالعدل بلا أخلاق… انتقام،
والحقيقة بلا رحمة… سكين،
والمجتمع الذي يتلذذ بسقوط أفراده
لا يبني فضيلة… بل يتقن الهدم.

تذكّر قبل أن تشارك،
قبل أن تهاجم،
قبل أن تضغط “نشر”:
قد تكون اليوم جزءًا من جوقة الصراخ،
لكن غدًا…
قد تكون أنت الصوت الذي يُستغاث له،
ولا يجد في الضجيج من يسمع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى