بحث علمي

الدكتور حامد جوهر: رائد علوم البحار المصري وحكاية عالمٍ لم يُنسَ

كتب ضاحى عمار
تحتفل مصر والعالم العربي دومًا بأسماء لامعة وشخصيات صنعت الفارق في مجالات عدة، إلا أن قليلين منا يعرفون عن العلماء الذين أثروا في تاريخنا وأضفوا لمسةً خاصةً على علوم كانت غامضة في زمانهم. ومن هؤلاء العلماء هو الدكتور حامد جوهر، رائد علوم البحار المصري، وصاحب البرنامج التلفزيوني الشهير “عالم البحار” الذي غزا شاشات التلفزيون لأكثر من 18 عامًا. برغم أن الدكتور حامد لم يكن ممثلًا مشهورًا أو سياسيًا صاحب نفوذ، فإن إسهاماته تركت بصمة لا تُمحى في مجال العلوم البحرية، وظل علمه وشخصيته محفورين في الذاكرة الجماعية للمصريين، وجعلت من برنامجه الشهير نافذة على عالم المحيطات والأحياء البحرية.
النشأة وبداية الطريق
وُلد الدكتور حامد عبدالفتاح جوهر عام 1907، وانتمى لجيل كان يشهد تأسيس المؤسسات التعليمية في مصر، في وقت لم تكن العلوم المتخصصة متاحة بشكل واسع. التحق بجامعة القاهرة، التي كانت في بداياتها، وتحديدًا بكلية الطب، وكان من الطلاب المتفوقين، إلا أن شغفه الحقيقي قاده إلى تغيير مساره الدراسي بعد عام من الدراسة. قرر سحب أوراقه من كلية الطب والالتحاق بكلية العلوم، حيث وجد ذاته وبدأ شغفه بعالم الأحياء البحرية يتبلور، وهو المجال الذي استمر فيه لسنوات وأصبح من أوائل رواده في مصر والعالم العربي.
تخرج الدكتور حامد من كلية العلوم بمرتبة الشرف، ليبدأ رحلة علمية مميزة جعلته أول مصري يحصل على درجة الدكتوراه في علوم الأحياء البحرية. لم يكن طموحه قاصرًا على استلام وظيفة تقليدية في القاهرة، بل اختار الانتقال للغردقة في الثلاثينيات، حين كانت لا تزال مدينة صغيرة نائية ذات طبيعة صحراوية. هناك، عكف على دراسة علوم الأحياء البحرية وكرّس حياته لأبحاثه وتجهيزاته العلمية، ليصبح رائدًا في هذا المجال ومرشدًا لأجيال تلتفت إلى أهمية حماية البيئة البحرية وفهم أسرارها.
مشروع المتاحف البحرية وإسهاماته العلمية
كان للدكتور حامد جوهر رؤية خاصة تجاه أهمية نشر الثقافة البحرية بين الجمهور، وبذلك ظهرت فكرته لإنشاء متاحف للأحياء البحرية، تكون بمثابة منصات تعليمية وتثقيفية. تبنّى فكرة إنشاء متحفين للأحياء البحرية، أحدهما في الغردقة والآخر في السويس، حيث تمكن الجمهور من مشاهدة الكائنات البحرية والتعرف على تفاصيل حياتها وأسرارها، وهو ما كان يعد إنجازًا في زمن لم يكن فيه هذا النوع من العلوم معروفًا أو حتى مرغوبًا.
لم يكن اهتمام الدكتور حامد قاصرًا على الأبحاث والعلوم فقط، فقد كان أيضًا من الشخصيات التي اهتمت بنشر العلم باللغة العربية، وكان عضوًا في مجمع اللغة العربية منذ عام 1973. لعب دوره في تطوير عدد من المعاجم العلمية، وساهم في إثراء اللغة العربية بمصطلحات ومفاهيم علمية جديدة، بما جعله من القلائل الذين دمجوا بين علوم الطبيعة واللغة في آنٍ واحد، وهو إنجاز لا يستهان به.
برنامج “عالم البحار” ودوره في نشر الثقافة البحرية
في السبعينيات، ومع ازدهار الإعلام المصري، جاء برنامج “عالم البحار” ليكون منبرًا علميًا موجهًا لكل بيت مصري. ولـ18 عامًا كاملة، استمر البرنامج في تقديم حلقات ممتعة تتناول الحياة البحرية بأسلوب سلس وبسيط، جعل الدكتور حامد جوهر محبوبًا لدى جميع الأعمار. فكان أول من شرح للمصريين تفاصيل عن المحيطات والكائنات البحرية، بلغة سلسة وبأسلوب علمي مبسط. وعلى الرغم من عدم اعتياد الجمهور على مشاهدة برامج علمية، إلا أن أسلوبه المميز وصوته الهادئ ولغته الدقيقة جعلت البرنامج يحظى بشعبية كبيرة ويصبح علامة مميزة في الإعلام المصري.
قد لا ينسى كثير من عشاق مسرحية “العيال كبرت” مشهد الفنان سعيد صالح وهو يمازح بأسلوب فكاهي طريقة الدكتور حامد في نطقه لكلمة “مساء الخير” التي اشتهر بها في برنامجه. كانت تلك اللقطة دليلًا على مدى انتشار البرنامج وتأثيره في المجتمع المصري، إذ إن الفكاهة أحيانًا تكون إحدى الوسائل لإظهار تأثير الشخصيات على الناس، ورغم السخرية، ظل الدكتور حامد رمزًا علميًا وأدبيًا يحترمه الجميع.
مكانته الدولية وإسهاماته في المنظمات العالمية
لم يقتصر تأثير الدكتور حامد على المستوى المحلي، بل امتد إلى الساحة الدولية. عمل مستشارًا للعديد من المنظمات العالمية، منها الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية ووكالة الطاقة الذرية ومنظمة الأغذية والزراعة. كانت خبرته العلمية محل تقدير من قبل هذه المنظمات التي استفادت من علمه في تطوير البرامج والسياسات المتعلقة بالمحافظة على البيئة البحرية وتنمية الموارد الطبيعية.
تعمقت علاقته باليابان، حيث كان يتمتع بعلاقات صداقة شخصية مع إمبراطور اليابان، وعمل هناك لفترة طويلة، يدرس ويطور أبحاثه، مما أتاح له الاطلاع على تقنيات وأساليب جديدة في دراسة علوم البحار، وأكسبه احترام العلماء الدوليين.
علاقته بعائلته وشخصيته المؤثرة
ما لا يعرفه الكثيرون أن الدكتور حامد جوهر كان شقيق الإعلامي والفنان علي جوهر، الذي ظهر في عدة أفلام وكان يقدم النشرة باللغة الإنجليزية على التلفزيون المصري. يعود سبب إتقان علي جوهر للغة الإنجليزية إلى أن والدتهما بريطانية، مما جعل من عائلتهم نموذجًا للتنوع الثقافي. كان الدكتور حامد يتمتع بشخصية متواضعة، بعيدة عن الأضواء، وركز طوال حياته على البحث العلمي وخدمة مجتمعه ونشر المعرفة، مما جعل منه قدوة للأجيال الشابة.
إرث الدكتور حامد جوهر
برغم رحيل الدكتور حامد جوهر، يظل إرثه العلمي ومساهماته مؤثرة حتى يومنا هذا. يعد من أبرز الشخصيات التي قدمت لمصر والعالم العربي علمًا نافعًا، وأسس لجيل من العلماء الذين يواصلون البحث في علوم البحار وحماية البيئة البحرية. ويجب علينا أن نعرّف أبنائنا على هذه الشخصيات العظيمة، التي قد لا تحظى بالشهرة الواسعة، لكنها بلا شك تستحق التقدير والاحترام. إن تذكر سيرة الدكتور حامد جوهر ليس مجرد استذكار لشخصية علمية، بل هو تذكير بأهمية العلم كقوة محركة للتنمية والتقدم، وحافز لتشجيع الأجيال القادمة على المضي قدمًا في دراسة العلوم ونشر الثقافة العلمية.
فى النهاية تعد هذه السطور تقديرًا لروح الدكتور حامد جوهر وإسهاماته، فربما لا تحظى سيرته بالشهرة بين الشباب اليوم، لكنها بالتأكيد تبقى علامة فارقة في تاريخ العلم المصري.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى