
حين تصبح المشاركة مسؤولية
بقلم/ ريمون عصام خليل
محلل الشأن العام وكاتب الخُبطة الاستقصائية
كاتب يقدم رؤى نقدية للواقع من خلال السرد القصصي والحكم المستخلصة
المشاركة ليست مجرد حضور، كما أن إبداء الرأي لا يعني بالضرورة صناعة تأثير. وبين الاثنين مساحة واسعة تحتاج إلى معرفة، ووعي، وقدرة على البحث والتحقق، ثم مسؤولية في طرح الأفكار.
ومن هنا أرى أن الحديث عن الشباب لا ينبغي أن يتوقف عند سؤال: ماذا نقدم لهم؟ بل يمتد إلى سؤال آخر أكثر أهمية: ماذا يمكن أن يقدم الشباب عندما تتوافر لهم المعرفة والمساحة المناسبة للمشاركة؟
خلال السنوات الأخيرة، أصبحت هناك مساحات متعددة أمام الشباب للتدريب والتأهيل والحوار والمشاركة في القضايا العامة. وهذه المساحات تكتسب قيمتها عندما يستخدمها الشباب بصورة إيجابية، لا باعتبارها فرصة للظهور، وإنما باعتبارها فرصة للتعلم وتحمل المسؤولية.
وتجربتي في هذا الطريق جعلتني أرى العلاقة بين التدريب والمشاركة بصورة مختلفة.
فالحصول على المعرفة لا ينبغي أن يكون محطة نهائية، وإنما نقطة انطلاق. وبعد برنامج إعداد الباحث المتخصص في شؤون المجتمع المدني، أصبح السؤال بالنسبة لي أكثر ارتباطًا بما يمكن أن أفعله بهذه المعرفة: كيف أبحث؟ كيف أتحقق؟ كيف أقرأ الظاهرة الاجتماعية؟ وكيف أكتب عنها دون مبالغة أو اتهام أو أحكام مسبقة؟
هذه الأسئلة انعكست على اهتمامي بالكتابة وتحليل الشأن العام، وعلى مشاركتي في الفعاليات والمنتديات والمسابقات ومساحات الحوار المختلفة. ومع الوقت، أصبح لدي يقين بأن المجتمع لا يحتاج فقط إلى من يتحدث عنه، وإنما إلى من يحاول أن يفهمه أولًا.
ومن هذه الزاوية، يأتي اهتمامي بمنتدى مصر 2026، وتقدمي بطلب حضور جلسات مرتبطة ببناء الإنسان، من بينها جلسة تبحث فيما يتعلمه أبناؤنا ومدى تأهيلهم للمستقبل، وأخرى تتناول الشباب والرياضة والانتقال من إتاحة الفرص إلى صناعة التأثير.
اختيار هذه الموضوعات لم يأتِ بالنسبة لي منفصلًا عن مساري، بل ينسجم مع سؤال أبحث عنه منذ فترة: كيف يمكن أن تتحول الفرصة المتاحة أمام الشباب إلى قيمة حقيقية للمجتمع؟
وأعتقد أن الإجابة لا تكمن في تحميل الشباب وحدهم مسؤولية التغيير، ولا في انتظار الحلول من جهة واحدة. المسألة تحتاج إلى تكامل بين الدولة والمؤسسات والمجتمع والشباب أنفسهم؛ بحيث تصبح المعرفة أساسًا للمشاركة، وتصبح المشاركة طريقًا لإنتاج الأفكار.
وهنا لا تكون الدولة مطالبة فقط بإتاحة المساحات، ولا يكون الشباب مطالبين فقط باستغلالها، بل يصبح الطرفان أمام مسؤولية مشتركة: كيف نحول المساحة المتاحة إلى أثر قابل للقياس؟
إن دعم جهود الدولة في بناء الإنسان لا يعني التوقف عن طرح الأسئلة، بل يعني أن يكون السؤال جزءًا من الحل، وأن تتحول المشاركة إلى معرفة، والمعرفة إلى فكرة، والفكرة إلى أثر.
وهذا، في رأيي، هو المعنى الحقيقي للمشاركة المسؤولة.
كتبه/ ريمون عصام خليل
محلل الشأن العام وكاتب الخُبطة الاستقصائية، حاصل على برنامج إعداد الباحث المتخصص في شؤون المجتمع المدني، ويقدم رؤى نقدية للواقع من خلال السرد القصصي والحِكم المستخلصة.





