
عندما يهمس التغيير في أعماقنا… فنصبح غيرنا
بقلم د/ رشا النواوي
في غمرةِ انشغالِنا بتفاصيلِ الحياةِ الصاخبة، نمرُّ على أنفسِنا كالغرباءِ، لا نلتفتُ إلى ما يحدثُ في أعماقِنا من تحوّلاتٍ صامتة. نستيقظُ كلَّ صباحٍ ننظرُ في المرآةِ فنرى الوجهَ نفسَه، الملامحَ نفسَها، لكنّنا لا نُدركُ أنّ ثمّةَ مياهًا تجري تحتَ سطحِ وجدانِنا، تغيّرُ مجاريَ الروحِ دونَ أنْ نسمعَ لها صوتًا.
وما أشدَّ دهشتَنا حينَ نلتقي بشخصٍ لم نرهُ منذُ سنواتٍ فيقولَ لنا: “لقد تغيّرتَ كثيرًا!”، فنقفَ حائرينَ، نتساءلُ: هل تغيّرنا حقًّا؟ ومتى حدثَ ذلك؟ وكيفَ مرَّ علينا التغييرُ كالنسيمِ العليلِ، لا نشعرُ به إلّا بعدَ أنْ يتركَ أثرَه في أرواحِنا؟
لحظاتٌ خفيفة… تغييراتٌ عميقة
ثمّةَ أشياءُ صغيرةٌ، لا تلفتُ الانتباهَ، لكنّها تعملُ في صمتِ النهارِ وهدوءِ الليلِ، تعيدُ تشكيلَنا كالنحاتِ الذي يُزيحُ برفقٍ عن تمثالِه ما لا يريد. قد تكونُ كلمةً سمعناها في موقفٍ عابر، أو كتابًا تصادفْنا صفحاتُه في ليلةٍ ماطرة، أو نظرةً تبادلْناها مع غريبٍ في قطار، أو حتى موقفًا بسيطًا أيقظَ فينا سؤالاً لم نكنْ نعرفُ أنّه ينامُ في قلوبِنا.
فالتغييرُ لا يأتي دائمًا على هيئةِ صفعةٍ عنيفة، أو قرارٍ مصيريٍّ نعلنُه للعالم. بل غالبًا ما يكونُ كالمطرِ الخفيفِ الذي يتسرّبُ إلى جذورِ الشجرةِ فيُورقُها دونَ أنْ تشعرَ بالأرضِ كيفَ تشربُ الماء. إنّه تراكُمُ اللحظاتِ، وحصيلةُ المواقفِ التي تمرُّ بنا كالخيوطِ الرفيعةِ التي تنسجُ نسيجَنا الجديدَ، خيطًا خيطًا، دونَ أنْ ننتبهَ.
التغيير الذي لا نراه… لكنّنا نشعرُ به
كم مرّةً وجدنا أنفسنا نكرهُ شيئًا كنّا نحبُّه، أو نحبُّ شيئًا كنّا نكرهُه، دونَ أنْ نستطيعَ تحديدَ اللحظةِ التي انقلبتْ فيها الموازينُ؟ وكم مرّةً اكتشفنا أنّ ردودَ أفعالِنا لم تعدْ كما كانتْ، وأنّ صبرَنا ازدادَ، أو حساسيتَنا خفّتْ، أو نظرتَنا للأشياءِ اتّسعتْ، من غيرِ أنْ نُحصيَ الأسبابَ أو نُسجّلَ التواريخَ؟
إنّها تغييراتٌ تبدأُ في الممرّاتِ الخلفيّةِ للوعي، ثمّ تتسلّلُ إلى سلوكِنا اليوميِّ كالضوءِ الذي يدخلُ من شقِّ بابٍ مواربٍ، يملأ المكانَ شيئًا فشيئًا حتّى إذا انتبهنا، وجدنا الغرفةَ كلَّها قد اشتعلتْ إشراقًا.
وهي تغييراتٌ لا تُقاسُ بالحواسِّ الظاهرة، بل تُدرَكُ بالحدسِ والبصيرة، لأنّها تحدثُ في مملكةِ الروحِ حيثُ لا يصلُ صوتُ الزمنِ ولا يبلغُ ميزانُ العقلِ. إنّها بصماتُ الحياةِ التي تتركُها فينا الأيامُ، كما تتركُ الأمواجُ رسوماتِها على الرمالِ، بهدوءٍ وجمالٍ، ثمّ تذهبُ.
من نحن… قبل التغيير وبعده؟
لعلّ السؤالَ الأعمقَ في كلِّ هذا هو: هل نحنُ حقًّا نتغيّرُ، أم أنّنا نكتشفُ طبقاتٍ منّا كنّا نجهلُها؟ هل يصيرُ الإنسانُ آخرَ، أم أنّه يقتربُ من جوهرِه الحقيقيِّ الذي ظلَّ دفينًا تحتَ طبقاتِ التربيةِ والعادةِ والخوفِ؟
ربّما كانَ التغييرُ الصامتُ الذي نعيشُه ليسَ سوى رحلةِ عودةٍ إلى الذاتِ، رحلةِ تنقّيٍ وتحرّرٍ من كلِّ ما ليسَ لنا، حتّى إذا استيقظْنا يومًا وجدْنا أنّنا قد خلعْنا جلدَنا القديمَ كالحيةِ، وخرجْنا منه إلى بشرةٍ جديدةٍ أصفى وأقربَ إلى روحِنا الأصيلة.
وهذا هو الأجملُ في الأمر: أنَّ التغييرَ الحقيقيَّ لا يأتي فرضًا من الخارجِ، بل ولادةً من الداخلِ. إنّه ثورةٌ هادئةٌ لا تُعلنُ عنها الطبولُ ولا تُشيِّعُ لها الجماهيرُ، لكنّها تُحدِثُ فينا من القلاقلِ النافعةِ ما يُعيدُ ترتيبَ أولوياتِنا، ويُجدِّدُ نظرتَنا إلى الحياةِ، ويُعطينا قدرةً على الاحتمالِ والامتنانِ لم نكنْ نعرفْ أنّنا نملكُها.
دعوةٌ للإنصاتِ إلى أنفسنا
ربّما آنَ الأوانُ لأنْ نتوقّفَ قليلاً، ونتأمّلَ في هذه التغييراتِ التي تحدثُ لنا في صمتٍ، لا لنُقاومَها أو نخافَ منها، بل لنُصافِحَها ونتعرفَ إليها. لأنّ معرفةَ أنفسِنا الجديدةِ هي الطريقُ إلى الحياةِ الأكثرِ وعيًا، والأكثرِ قدرةً على تقبُّلِ أنفسِنا في كلِّ مراحلِ تحوّلِها.
فلا تخشَ أنْ تصيرَ غيرَ الذي كنتَ، فما أنتَ إلّا نهرٌ يجري، وما الحياةُ إلّا مسيرةُ تحوّلٍ دائمٍ. ثقْ أنّ روحَكَ تعرفُ طريقَها، وأنّ هذه التغييراتِ الصغيرةَ التي تهمسُ في داخلكَ هي رسائلُ من ذاتِكَ الأعمقِ، تخبرُكَ أنّكَ تنمو، وأنّ النموَّ لا يكونُ إلّا بالخروجِ من الشرنقةِ، حتّى وإنْ كلّفكَ ذلكَ ألمَ المخاضِ.
وفي نهايةِ المطافِ، حينَ ننظرُ إلى مرآةِ أرواحِنا بعدَ سنواتٍ، قد لا نرى الوجهَ الذي عرفناه، لكنّنا سنرى عينينِ أكثرَ عمقًا، ونظرةً أكثرَ اطمئنانًا، وابتسامةً تحملُ أثرَ كلِّ تلك التغييراتِ التي مررنا بها بصمتٍ، فجعلتْنا أكثرَ إنسانيةً، وأكثرَ قدرةً على الحبِّ والفهمِ والصفحِ.
فليكنْ تغيّرُك بصمتٍ، جميلاً، وعميقًا، كجذورِ الشجرِ التي لا تراها، لكنّها هي التي تمنحُ الغصنَ قوّةَ الارتفاعِ نحو السماء.





