الأسبوع العربيالأسرة والطفلمقالاتمنوعات

من يربي أبناءنا.. وأين العلماء؟

من يربي أبناءنا.. وأين العلماء؟

بقلم الأستاذ/ احمد جابر قلاش

من يربي أبناءنا اليوم؟ سؤال يبدو بسيطًا، لكنه ربما أصبح من أصعب الأسئلة التي تواجه الأسرة والمجتمع والمؤسسات الدينية. فالأبناء لم يعودوا يتلقون أفكارهم وقيمهم داخل البيت أو المدرسة فقط؛ هناك عالم آخر مفتوح في أيديهم، يدخل إليهم عبر شاشة صغيرة، ويحمل إليهم أفكارًا وثقافات وسلوكيات لا تستطيع الأسرة دائمًا مراقبتها أو حتى فهمها.
ومن هنا جاءت أهمية المؤتمر الدولي الحادي عشر لدار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، الذي انعقد بالقاهرة تحت عنوان: «التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى: مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهوية».
المؤتمر لم يناقش الأسرة باعتبارها علاقة بين زوج وزوجة وأبناء فحسب، وإنما نظر إليها باعتبارها خط الدفاع الأول عن الهوية والقيم والاستقرار المجتمعي، في زمن تتسارع فيه التحولات التكنولوجية والفكرية والاجتماعية بصورة غير مسبوقة.
لكن السؤال الأكثر وضوحًا جاء من شيخ الأزهر، الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، حين قال: «ماذا سنفعل بالأسرة المسلمة أمام هذا الطوفان الذي يهب علينا من الشرق والغرب؟» محذرًا من تأثير مواقع التواصل الاجتماعي في عقول الشباب والنشء، ومن محاولات اقتلاعهم من جذورهم وعزلهم عن تاريخهم ومجتمعاتهم.
وهنا لا يصبح السؤال: هل نمنع أبناءنا من العالم؟ فهذا لم يعد ممكنًا، وإنما السؤال الحقيقي: كيف نربي أبناءنا ليعيشوا في هذا العالم دون أن يفقدوا هويتهم؟
وهذه النقطة تحديدًا تكشف أهمية دور العلماء. فالعالم اليوم لا يحتاج إلى خطاب يكتفي بالتحذير من المخاطر بعد وقوعها، وإنما يحتاج إلى عالم يفهم العصر، ويعرف لغة الشباب، ويدرك طبيعة المنصات الرقمية، ويستطيع أن يقدم خطابًا دينيًا قادرًا على المنافسة بالحجة والمعرفة والرحمة.
وهذا ما حاول المؤتمر الانتقال إليه؛ من مجرد «معالجة الأزمات» إلى «الوقاية والاستباق»، بحيث لا تنتظر المؤسسات الدينية ظهور المشكلة ثم تبحث عن حكمها، وإنما تدرس التحولات الجديدة وتستشرف آثارها قبل أن تتحول إلى أزمات داخل الأسرة.
ولم يتوقف الأمر عند الكلمات والتوصيات، فقد أعلن المؤتمر عن مجموعة من المخرجات العملية، من بينها المرجع الإفتائي الدولي «حصين»، ومنصة «سكن» لشؤون الأسرة، وإعلان القاهرة لحماية الأسرة في العصر الرقمي، والأطلس الإفتائي للتحديات الأسرية، والميثاق الإسلامي للاستخدام الأسري الآمن للذكاء الاصطناعي، إلى جانب إنشاء وحدة لرصد الظواهر الفكرية والنفسية المعاصرة ومركز لشؤون الأسرة، فضلًا عن برامج تدريبية وترجمات لكتب متخصصة في قضايا الأسرة والمرأة والطفل.
كما أعلن عن إنشاء «مجلس الأسرة الدائم» لمتابعة القضايا الأسرية والنوازل الجديدة، وهو ما يعني أن القضية لم تعد مؤتمرًا ينتهي بانتهاء جلساته، وإنما محاولة لبناء عمل مؤسسي مستمر.
ومع ذلك، تبقى الحقيقة الأكبر خارج قاعات المؤتمرات: العلماء وحدهم لن يستطيعوا تربية أبنائنا، والأسرة وحدها لم تعد قادرة على مواجهة كل هذا التدفق.
نحن أمام مسؤولية مشتركة؛ الأب والأم، والمدرسة، والعالم، والإعلام، والمؤسسات الدينية والثقافية، وكل من يملك كلمة يمكن أن تصل إلى عقل طفل أو شاب.
فالمعركة الحقيقية ليست على الهاتف، وإنما على العقل الذي يمسك الهاتف.
ولهذا ربما يكون السؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحًا بعد انتهاء المؤتمر: إذا كان العالم كله يحاول الوصول إلى أبنائنا، فهل نحن نصل إليهم أولًا؟
فمن يربي أبناءنا اليوم، لا يحدد فقط شكل جيل قادم، بل يحدد شكل المجتمع الذي سنعيش فيه غدًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى