
الفراغ الديني في المجتمعات العربية
بقلم..مروة فؤاد
سنتعرف علي الفراغ الديني وديناميات العنف في المجتمعات العربية: بين المثالية الإسلامية والتوظيف السياسي
يشهد العالم العربي والإسلامي في العقود الأخيرة تحولات جذرية على المستوى الاجتماعي والثقافي، تزامنت مع بروز ظاهرة “الفراغ الديني” أو “الفراغ الروحي”. هذا الفراغ ليس مجرد تراجع في الممارسات التعبدية فحسب، بل هو انفصال جوهري بين جوهر الرسالة الإسلامية الأخلاقي والواقع المعاش. وقد أفرز هذا الانفصال ديناميات اجتماعية مشوهة، تحولت في كثير من الأحيان إلى عنف يمس جوهر الكرامة الإنسانية، في تناقض صارخ مع الصورة المثالية التي رسمها القرآن الكريم للمؤمن.
المؤمن بين “الأعلون” و”أسفل سافلين”: قراءة في المثالية الإسلامية
يضع القرآن الكريم معياراً دقيقاً لمكانة الإنسان، ويحدد مساره بين قمم العلو وهاوية السقوط. فبينما يصف الله تعالى المؤمنين بأنهم *”الأَعْلَوْنَ”* (قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139])، يحذر في موضع آخر من الانحدار إلى “أَسْفَلَ سَافِلِينَ” إلا من آمن وعمل صالحاً.
في التراث الإسلامي والفكر الأخلاقي، يُشبه العلماء والمفكرون المؤمن الصالح بالملائكة في طهارته وسمو أخلاقه؛ فالملائكة خُلقت من نور وتسبح بحمد ربها بلا فتور، والمؤمن يصل إلى هذه المرتبة من “القرب من الملائكة” ليس بفطرته فحسب، بل بـ “اختياره” ومجاهدته لهواه، وتطهيره لقلبه، وسموه الأخلاقي الذي يجعله رحمة للعالمين. هذا المؤمن “الأعلى” هو من ينشر السلام، ويصون الكرامة الإنسانية، ويرى في الخلق كلهم عيال الله.
ولكن عندما يُفرغ الدين من روحه الأخلاقية والروحية، ويختزل في شعارات جوفاء أو طقوس شكلية، يفقد الإنسان هذه المرتبة السامية. وبدلاً من أن يكون “أعلى” بخلقه وعدله ورحمته، تتغلب عليه نزعاته الحيوانية، فتتحول الديناميات الاجتماعية من التكافل والرحمة إلى التنافر، والعنف، والتكبر، والقسوة التي تمس جوهر الإنسانية.
الفراغ الديني وتحول الديناميات الاجتماعية إلى عنف
الفراغ الديني الحقيقي لا يعني بالضرورة ترك الصلاة أو الصوم، بل يعني غياب “الوازع الأخلاقي والروحي” الذي يضبط سلوك الفرد والمجتمع. عندما يفتقد المجتمع للبوصلة الروحية الأصيلة، تبرز أنماط سلوكية مدمرة:
**تفكك النسيج الاجتماعي:** يحل محل التضامن الإسلامي والعربي “التعصب المذهبي، والقبلي، والمناطقي”، مما يمزق المجتمعات ويحولها إلى كيانات متصارعة.
**تبرير العنف:** في غياب الفهم الصحيح للدين الذي يحرم الاعتداء على النفس البشرية (﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾)، يتم توظيف مفاهيم دينية مشوهة لتبرير العنف ضد الأبرياء، أو ممارسة العنف المادي والمعنوي داخل الأسر والمجتمعات المحلية.
**الاستلاب واللامبالاة:** يخلق الفراغ الروحي جيلاً يعاني من البؤس وفقدان المعنى، مما يسهل انجرافه نحو السلوكيات الهدامة، والإدمان، والعنف المجتمعي كوسيلة للتنفيس عن الإحباط.
دور الحكم وسياسات التلاعب بالوعي الديني
لا يمكن فهم ظاهرة الفراغ الديني وتحول المجتمعات إلى بؤر للتوتر دون قراءة موضوعية لكيفية تعامل بعض أنماط الحكم والأنظمة السياسية مع “الشأن الديني”. تلعب السياسات الحكومية دوراً محورياً، سواء بقصد أو بغير قصد، في تشكيل الوعي الديني، وذلك من خلال عدة ممارسات:
* **التوظيف السياسي للدين (أدلجة الدين):** عندما تتحول المؤسسات الدينية أو الخطاب الديني إلى أداة لتبرير سياسات حكومية، أو لتعزيز ولاءات سياسية على حساب الثوابت الأخلاقية، يحدث “نفور جماهيري”. يشعر المواطن بأن الدين يُستغل لخدمة السلطة، مما يولد فجوة بينه وبين المؤسسة الدينية الرسمية، ويقوده إما إلى اللامبالاة (الفراغ) أو إلى البحث عن بدائل متطرفة خارج سيطرة الدولة.* **احتكار الخطاب الديني وتقييده:** إن السيطرة المفرطة على المساجد، وخطباء الجمعة، والمناهج الدينية، وتحويل الدين إلى “شؤون بيروقراطية” تفتقر إلى الروحانية والتأثير في الواقع، يقتل الإبداع الروحي والفكري. هذا الاحتكار يخلق فراغاً روحياً لدى الشباب الذين يبحثون عن دين يعالج مشاكلهم الواقعية ويحقق العدالة، فيجدون خطاباً رسمياً منفصلاً عن همومهم. **التناقض بين الشعارات والممارسات (أزمة العدالة):** الدين الإسلامي يقوم على أساس “العدل” و”الرحمة”. عندما تغيب العدالة الاجتماعية، ويغلب الفساد، وتتسع الفجوات الطبقية، وتُنتهك الحريات؛ فإن ذلك يخلق بيئة حاضنة للفراغ الديني. فالشعوب لا تُقاس دينيتها بخطاب الحكام، بل بواقعها المعيشي. الظلم الاجتماعي يقتل الروحانية في النفوس، ويحول الناس إلى كائنات تسعى للبقاء بأي ثمن، مما يغذي العنف المجتمعي. **التلاعب بالهوية لصرف النظر عن القضايا الجوهرية:** في بعض الأحيان، تُستخدم القضايا الدينية والخطابات الإقصائية كأدوات لتلهية الشعوب عن قضايا التنمية، والحرية، والعدالة، ومكافحة الفساد. هذا التلاعب يخلق مجتمعات منهكة في صراعات جانبية، تفتقر إلى الإنتاجية والبناء، وتغوص في مستنقع العنف الداخلي.
خاتمة: نحو استعادة “الأعلون”
إن معالجة الفراغ الديني والعنف المجتمعي في البلاد العربية والإسلامية لا تتم عبر المزيد من القمع، ولا عبر التخلي عن الهوية، بل تتطلب **إصلاحاً جوهرياً في العلاقة بين الدين، والمجتمع، والحكم**.
يتطلب الأمر العودة إلى جوهر الرسالة الإسلامية التي ترفع الإنسان إلى مصاف “الأعلون” القريبين من الملائكة بسمو الأخلاق، والعدل، والرحمة. كما يتطلب من صناع القرار والحكم التوقف عن توظيف الدين كأداة سياسية، والعمل على بناء دول مدنية عادلة تحمي الحريات، وتكفل الكرامة الإنسانية، وتسمح للخطاب الديني الأصيل بأن ينمو بشكل عضوي يعالج مشاكل الواقع ولا يهرب منها.
فقط حين يستشعر الإنسان أن الدين هو منهج للعدل والكرامة والرحمة، سيمتلئ الفراغ الروحي، وستتحول الديناميات الاجتماعية من العنف والهدم إلى البناء والإعمار، محققين بذلك وعده الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ﴾.





