أخبار الأسبوعأدبأدب وشعرالأسبوع العربيالثقافة والفنونثقافةفاعليات ثقافيةفنفنونقصة قصيرةقصص ورواياتقصور الثقافةمجلة الأديب العربيمجموعة قصصيةمنوعاتنثرنجوم الأسبوع العربي

الفخ

على حافة السقوط

قصة قصيرة من مجموعتى القصصية صدى الارواح

بقلم / أحمد درويش العربى

كان بدر فرحات، فني الماكينات الصبور، رجلاً شكلته أمواج البحر  وسماءه.

 وجهه تكسوه سمرة الملح، وعيناه تحكيان قصصًا عن أمواج عاتية وهدوء نادر بين العواصف. يعمل على إحدى سفن الخدمات البترولية، تلك السفن التى تجوب البحار كأنها لا تعرف استقرارًا.

 من خليج إلى محيط، ومن مرفأ إلى آخر، كان السفر هو الروتين، والغربة وطنًا مؤقتًا له.

في إحدى رحلاتهم، رست السفينة في ميناء صغير في بلد أوروبي تغمره الحداثة وتخترقه نسائم الحرية العابثة.

 خرج الطاقم كعادتهم، يتنزهون في الشوارع الضيقة المعبقة بروائح القهوة والمخبوزات.

 كان بدر ينوي فقط شراء بعض الحاجيات، لكنه حين همَّ بدخول متجر صغير، أبصرها

امرأة… لا، لم تكن مجرد امرأة.

 كانت مثل نسمة دافئة تهب في ليل البحر البارد.

 خرجت من المتجر بخفة كأن الأرض لا تلامس قدميها، وعطرها يسبقها، ينساب بين المارة مثل وعدٍ قديم.

 شعرها الأشقر يتراقص مع الريح، ووجهها يحمل تلك البراءة التي لا تنتمي لعالم الشهوات، لكنها أيقظت فيه كل أحاسيس كانت قد توفت ودفنت بسبب الاغتراب المستمر.

لم يفكر.

 بدل مساره، وسار خلفها.

لم يعد يرى الشوارع، ولم يعد يسمع خطواته.

كل ما كان يدور في ذهنه هو صوت خفيّ، كالوسوسة، يتمتم في أذنه:

“اغتنم الفرصة… أنت بعيد عن وطنك، لا زوجة، لا حلال ولا حرام هنا… المشاعر والاحاسيس حقك فاغتنمها.

كان الصوت يبدو كصوت منطقٍ جديد لا يعترف بالقيم التي تشبع بها منذ الطفولة.

خطواته تتسارع، وعقله يترنّح بين صوت الضمير وصوت الرغبة.

وكلما اقترب منها أكثر، ابتعد عن نفسه أكثر فأكثر .

لكن فجأة… رنّ هاتفه.

كان صوته مختلفًا، مهيبًا، مليئًا بالسكينة والرهبة في آن واحد.

 لم تكن نغمة موسيقية، بل تلاوة أية قرآنية هادئة:

“وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ”

توقّف في مكانه.

ارتجف قلبه.

تجمدت قدماه وكأن الأرض ذكّرته بمن يكون.

لم تعد الحسناء تبدو كنسمة، بل كدوامة.

 لم يعد العطر يشده، بل ينذره.

عاد خطوات إلى الخلف.

 أغلق الهاتف بيد ترتجف، لكن صوته ظل في أذنه، يعيد تلاوة الآية في حلقات من النور.

 تذكر زوجته، أطفاله، دمعات والدته حين ودّعها، صلوات والده التي لم تنقطع لأجله.

 أدرك أنه كان على شفا حفرة… حفرة نُسجت بخيوط الشيطان المذهّبةتذكر وصية كل من أحبوه بأن يحافظ على نفسه على ديبنه على أخلاقه على قيمه ومبادئه.

عاد إلى السفينة بصمت.

 لم يخبر أحدًا بشيء، لكن قلبه كان قد تغيّر.

لم يكن ذلك الفتى الذي يلاحق الطيف في شوارع الغربة، بل الرجل الذي نجا من فخ.

ومنذ تلك الليلة، صار صوت هاتفه يرنّ دائمًا بنفس التلاوة داخل قلبه، كلما اقترب من شبهة… فقد أدرك أن هناك من أقسم أن يوقعه فى الفخ .

فأقسم هو الاخر على الانتباه ، والحذر وعدم الوقوع فى فخ عدوه .

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى