
الثانوية العامة في مرمى الغش..
بقلم /حسن عبد السلام شتا
حين يصبح الغش طريقًا إلى كليات القمة.. فالمشكلة لم تعد في الامتحان وحده!
لسنا ضد فرحة الطلاب بنتائج الثانوية العامة، ولسنا بصدد التقليل من قيمة المتفوقين الذين اجتهدوا طوال العام، وسهروا الليالي، وبذلوا كل ما يستطيعون من أجل تحقيق حلمهم وحلم أسرهم.
لكننا في الوقت نفسه لا نستطيع أن نتجاهل تساؤلات مشروعة يطرحها كثيرون ممن عاشوا أجواء امتحانات الثانوية العامة داخل اللجان، كملاحظين ومراقبين ورؤساء لجان.
السؤال ببساطة:
هل كل نتيجة مرتفعة تعكس بالضرورة المستوى الحقيقي للطالب؟
هذا السؤال لا يعني التشكيك في كل طالب حصل على مجموع مرتفع، فهناك بالفعل طلاب متفوقون يستحقون كل تقدير، ولكن هناك أيضًا مخاوف حقيقية من ظاهرة الغش الإلكتروني، واستخدام وسائل حديثة يصعب اكتشافها والسيطرة عليها، حتى مع وجود وسائل وبرامج للكشف عن الأجهزة الإلكترونية.
وفي بعض الأحيان، يجد الملاحظ أو المراقب نفسه أمام طالب يُشتبه في استخدامه وسيلة إلكترونية، لكن الوصول إلى هذه الوسيلة أو إثبات استخدامها قد يكون أمرًا بالغ الصعوبة.
وهنا تصبح المشكلة أكبر من مجرد مخالفة داخل لجنة امتحان.
ماذا لو كان طالب يغش ويحصل على مجموع يؤهله لدخول كلية من كليات القمة، بينما طالب آخر اجتهد طوال العام ولم يغش، لكنه حصل على مجموع أقل؟
ماذا لو كان الأول قد حصل على مقعد جامعي ليس من حقه، بينما حُرم منه طالب أكثر استحقاقًا؟
هنا لا نتحدث عن درجات فقط، بل نتحدث عن حقوق وفرص ومستقبل.
الثانوية العامة هي بوابة العبور إلى الجامعة، والجامعة هي مصنع الكوادر التي سيعتمد عليها المجتمع في المستقبل.
نحن لا نصنع بالدرجات طبيبًا أو مهندسًا أو صيدليًا فقط، بل نصنع إنسانًا سيحمل مسؤولية مهنة قد تتعلق بها حياة الناس ومصالحهم.
فهل من المقبول أن يصل طالب إلى كلية مرموقة اعتمادًا على الغش، ثم نكتشف بعد سنوات أنه لا يمتلك الأساس العلمي الذي يؤهله لهذه المهنة؟
فاقد الشيء لا يعطيه.
وإذا كانت منظومة التعليم تهدف إلى بناء مجتمع قوي، فإن أول خطوة في هذا البناء هي أن يكون الطالب في المكان الذي يستحقه فعلًا، وفقًا لقدراته واجتهاده الحقيقي.
ومن هنا، فإن وزارة التربية والتعليم مطالبة بوقفة جادة وحاسمة.
نحن بحاجة إلى نظام امتحانات جديد يواكب التطور التكنولوجي الهائل، ويغلق الباب أمام محاولات الغش الحديثة، ويضمن أن تكون الدرجة التي يحصل عليها الطالب تعبيرًا حقيقيًا عن مستواه.
نحتاج إلى امتحان يقيس الفهم والتحليل والتفكير، وليس مجرد قدرة الطالب على الوصول إلى الإجابة.
ونحتاج كذلك إلى أدوات وإجراءات أكثر فاعلية تمكن الملاحظ والمراقب ورئيس اللجنة من مواجهة محاولات الغش، بدلًا من أن يجد نفسه في بعض المواقف غير قادر على اتخاذ الإجراء المناسب.
فلا يعقل أن يكون طالب قد أمضى عامًا كاملًا في المذاكرة، ثم يجلس في الامتحان أمام طالب آخر يستطيع الحصول على الإجابة بوسيلة إلكترونية في دقائق، وفي النهاية ينافسه على نفس المقعد الجامعي!
هذه ليست عدالة.. وهذه ليست تكافؤ فرص.
ولأبنائنا الذين اجتهدوا ولم يغشوا، ولم يحصلوا على المجموع الذي كانوا يحلمون به، أقول:
لا تجعلوا نتيجة الثانوية العامة نهاية الطريق.
لا تسمحوا للإحباط أن يسيطر عليكم، ولا تجعلوا رقمًا في شهادة يهزم حلمكم أو يوقف مسيرتكم.
إذا كنت قد اجتهدت، وأديت ما عليك، ولم تخدع نفسك أو غيرك، فاعلم أنك حققت شيئًا مهمًا جدًا، حتى لو لم يأتِ المجموع كما تمنيت.
الحياة أكبر من امتحان، والمستقبل أوسع من كلية، والنجاح له طرق كثيرة.
لكن في الوقت نفسه، علينا جميعًا أن نطالب بإصلاح حقيقي لمنظومة الامتحانات.
قد نتجاوز بعض صور الغش في مراحل النقل، في الابتدائي أو الإعدادي، لأن الطالب ما زال أمامه وقت لتصحيح مساره، لكن الثانوية العامة تختلف تمامًا.
فهنا الطالب يقف على أبواب الجامعة، وعلى وشك أن يحجز مقعدًا في كلية قد تكون بداية طريقه إلى مهنة ومستقبل ومسؤولية.
ولهذا فإن حماية الثانوية العامة من الغش ليست مسؤولية وزارة التربية والتعليم وحدها، بل مسؤولية مجتمع بأكمله.
نريد امتحانًا عادلًا.. ونتيجة حقيقية.. ومقاعد جامعية تصل إلى أصحابها المستحقين.
نريد أن يعرف كل طالب أن طريق النجاح يبدأ من الاجتهاد، وليس من سماعة مخفية أو وسيلة إلكترونية أو معلومة يحصل عليها في دقائق.
فالطالب الذي يستحق كلية الطب يجب أن يصل إليها بعلمه، والذي يستحق الهندسة يجب أن يصل إليها بقدراته، وكل طالب يجب أن يحصل على فرصته وفقًا لمستواه الحقيقي.
إنقاذ الثانوية العامة من الغش ليس دفاعًا عن الامتحان فقط، بل دفاع عن مستقبل مصر.
آن الأوان لوقفة جادة، وإعادة النظر في منظومة الامتحانات، والبحث عن حلول جديدة تضمن العدالة وتكافؤ الفرص، وتحمي حق الطالب المجتهد، وتحافظ على مستوى الجامعات، وتصون مستقبل الأجيال القادمة.
فالدرجات قد تصنع ترتيبًا.. لكن العلم وحده هو الذي يصنع إنسانًا قادرًا على بناء وطن.
والحديث بقية…





