الأسبوع العربيمقالاتمنوعات

​في قلب كل إنسان غرفة لا يفتحها حتى لنفسه

​في قلب كل إنسان غرفة لا يفتحها حتى لنفسه
​كتبت / نعمة حسن
​داخل كل واحد فينا غرفة مظلمة. ليست غرفة بالمعنى الذي نعرفه، ولا بابًا يُرى، ولا مفتاحًا يمكن أن يسقط من الجيب. هي مساحة خفية في أقصى الروح، بنينا جدرانها على مهل، حائطًا بعد حائط، كلما جرحتنا الحياة ولم نجد من يفهم، وكلما سقط منا شيء ولم نستطع استعادته. ندخل إليها وحدنا، ونخرج منها وحدنا.
​في ركن منها تسكن نقطة ضعف نخجل من الاعتراف بها، وفي ركن آخر كسرة خاطر لم تلتئم رغم مرور السنين. على الجدار موقف محرج ما زلنا نتمنى لو مُحي من الذاكرة، وعلى اليمين غدر إنسان لم نتوقع منه يومًا أن يؤذينا، إنسان أعطيناه ظهورنا لأننا وثقنا به، فاختار أن يطعننا في المكان الذي اطمأن إليه.
​وفي آخر الغرفة فراق. فراق حدث برضانا، لكنه لم يكن سهلًا، وفراق فُرض علينا فرضًا فاقتلع منا شيئًا لم يعد أبدًا. أشخاص رحلوا لأن الطرق اختلفت، وآخرون رحلوا لأن الموت لا يستأذن أحدًا، وأشخاص ما زالوا أحياء، لكنهم صاروا أبعد من الموتى.
​هناك أيضًا ألم لا اسم له. وجع لا نعرف كيف نشرحه، لأن الكلمات تبدو أمامه صغيرة وساذجة. وجع قديم يظهر فجأة في منتصف ضحكة، أو في أغنية عابرة، أو رائحة مكان، أو اسم يمر أمامنا مصادفة، فيعيدنا إلى نقطة كنا نتصور أننا تجاوزناها.
​وفي تلك الغرفة أشياء لم نحكها لأحد. اعتذارات لم تصل، وأسئلة لم نجد لها إجابة، ورسائل كتبناها ثم حذفناها، ودموع انتظرنا حتى ينام الجميع كي نسقطها في صمت. فيها أحلام دفناها بأيدينا، ونسخ قديمة منا ماتت، لكننا لم نعلن وفاتها.
​ثم نغلق الباب.
نغلقه جيدًا، ونكتب عليه في داخلنا: ممنوع الاقتراب. ليس لأننا غامضون، ولا لأننا لا نثق بأحد، بل لأن بعض الآلام لا تحتمل أن تُروى. هناك حكايات إذا خرجت إلى الضوء فقدت هيبتها، وأسرار لو مر عليها فضول الناس تحولت إلى أحكام وأسئلة ونصائح باردة. لذلك نحرس غرفتنا المظلمة كما يحرس الإنسان آخر ما يملك.
​نخرج إلى الدنيا بوجه آخر. نضحك، ونعمل، ونحب، ونجامل، ونبدو طبيعيين جدًا. قد يراك الناس قويًا ولا يعرفون أنك قضيت الليل تجمع شتاتك. قد يظنونك قاسيًا، ولا يدركون أنك كنت ذات يوم لينًا أكثر مما ينبغي، حتى علمتك الخيبات أن تغلق الأبواب.
​كل إنسان تقابله يحمل بداخله معركة لا تراها.
وربما تكون ابتسامته مجرد ستار، وصمته استغاثة مهذبة، وعصبيته خوفًا متراكمًا، وبروده قلبًا احترق أكثر مما يجب. لذلك لا تتعجل الحكم على أحد؛ فأنت ترى منه الصالة المضيئة فقط، ولا تعرف شيئًا عن الغرفة المغلقة في آخر الممر. الحقيقة أن الإنسان أغرب من أن يُفهم بالكامل. قد يسامح ولا ينسى. قد يبتعد وهو يريد البقاء. قد يضحك في اللحظة التي يوشك فيها على الانهيار. قد يحب شخصًا ويقرر ألا يعود إليه أبدًا. وقد يقول: “أنا بخير”، لأنه لا يملك رفاهية شرح كل هذا الخراب.
​نحن لا نخفي جانبنا المظلم لأننا سيئون، بل لأننا بشر. فالنفس الإنسانية أرض واسعة لا يعلم خباياها إلا خالقها. وحده الله يعرف لماذا صمتنا حين كان الكلام حقًا لنا، ولماذا بكينا على أشياء ظنها الآخرون بسيطة، ولماذا تغيرنا، ولماذا لم نعد كما كنا. وحده رأى كل مرة أُغلق فيها الباب علينا، وكل مرة جلسنا في الظلام نعيد ترتيب أرواحنا، ثم خرجنا إلى الناس وكأن شيئًا لم يحدث.
​لهذا كن رحيمًا.
لا تحاول اقتحام الغرف المغلقة في قلوب الآخرين. لا تسأل كثيرًا حين يصمتون، ولا تسخر من وجع لا تفهمه، ولا تضع إصبعك على جرح لم يسمح لك صاحبه برؤيته. فبعض الأبواب لم تُغلق كراهيةً للعالم، بل أُغلقت لأن ما وراءها هش جدًا. وكلنا، مهما بدونا واضحين، نحمل في أعماقنا غرفة لا يدخلها أحد. غرفة فيها أشياء لا تُقال، وأشخاص لا يعودون، ووجع لا يراه إلا الله.
​إشراقة أمل: دعوة للضوء
​وعلى الرغم من عتمة تلك الغرف، إلا أن الحياة تظل أوسع من “غرفة”.
ادعُ نفسك دائماً لرحابة الدنيا وفسحتها، اترك تلك الغرفة المظلمة -بأقفالها وذكرياتها- وانطلق لتنير باقي أركان حياتك.
​في الحياة جمالٌ تلمسه إذا قررت أن تفتح نوافذ جديدة، اذهب إلى الضحكة لا إلى الدمعة، ابحث عن ذلك الطفل الذي في داخلك، ذاك الذي لا يزال قادراً على الركض والمرح دون أن يلتفت للخلف. لا تجعل الغرفة التي تحتوي “نسختك العتيقة” سجناً لما تبقى من أيامك.
​عِش.. بجرأة مَن لا يخشى الزوال، لا تقف عند الهموم، اركض بعيداً عن أشباح الماضي، واحتضن الأيام بفرحٍ وتفاؤل، فالسعادة قرارٌ نتخذه حين نغلق باب الغرفة المظلمة، ونفتح باب الحياة على مصراعيه.
​أسعد الله جميع أوقاتكم بكل خير ونور.
مع تحياتي ..
نعمة حسن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى