
.
الحسد الجماعي للشعب المصري
بقلم .مروة فؤاد
قراءة تحليلية في عمق احداث الفيفا وماتش مصر التاريخي ولكي
نتعرف علي سيكولوجية “الحسد الجماعي” وعمق النسيج التاريخي في الهوية المصرية والمغربيات*
تتشكل الهوية الوطنية في العالم العربي من مزيج معقد من ردود الفعل النفسية المعاصرة تجاه النجاحات والتحديات، ومن جذور تاريخية عميقة تتشابك فيها ثقافات وحضارات متعددة. ولمناسبة فهم هذا التعقيد، يمكن الوقوف عند ظاهرتين بارزتين: الأولى هي سيكولوجية “الحسد الجماعي” التي تبرز عند تحقيق إنجازات كروية كبرى (كما في مواجهات مصر والأرجنتين)، والثانية هي النسيج التاريخي الفريد للمغرب وارتباطه العريق بالمكون اليهودي.
ظاهرة “الحسد الجماعي” وصدمة التفوق: مصر والأرجنتين أنموذجاً
في علم الاجتماع الرياضي وعلم النفس الجماهيري، لا يقتصر الحسد على كونه انفعالاً فردياً، بل يمكن أن يتحول إلى “حسد جماعي” تمارسه مجموعات أو شعوب تجاه أمة أخرى. وتظهر هذه الظاهرة بوضوح عند متابعة ردود الأفعال الإقليمية والدولية تجاه المنتخب المصري، خاصة في المباريات الفارقة التي تجمع بين مصر ومنتخبات عملاقة مثل الأرجنتين.
عندما يتمكن المنتخب المصري من تحقيق نتائج تاريخية أو مفاجئة أمام عمالقة كرة القدم العالمية، فإن ذلك لا يولد مجرد فرحة محلية، بل يثير حفيظة المنافسين الإقليميين أو أولئك الذين يعانون من “عقدة التاريخ” تجاه مصر. الحسد الجماعي هنا يعمل كآلية دفاعية نفسية؛ فهو محاولة لا واعية من قبل الآخرين لتقليل شأن الإنجاز المصري، أو التشكيك في قيمته، أو شن حملات إعلامية ورقمية منظمة لتهميشه.
هذا الحسد الجماعي ينبع من إدراك ضمني بأن مصر، رغم ما تمر به من تحديات اقتصادية أو سياسية، لا تزال تمتلك “ثقلاً تاريخياً” و”قوة ناعمة” تجعلها قادرة على إنتاج أجيال قادرة على منافسة الكبار. التفوق على منتخب بحجم الأرجنتين (حامل اللقب العالمي) لا يُقرأ فقط كحدث رياضي، بل كرسالة رمزية لبقاء الروح المصرية وقدرتها على تحدي المستحيلات، وهو ما يستفز من يرون في التفوق المصري تهديداً لرواياتهم الخاصة أو لتفوقهم الإقليمي المصطنع.
: النسيج المغربي: قراءة في التاريخ المشترك مع اليهود
إذا كانت الظاهرة الأولى تعكس تعقيدات الحاضر وسيكولوجية الجماهير، فإن الحالة المغربية تقدم نموذجاً فريداً في كيفية تعامل الدولة والمجتمع مع عمق التاريخ وتعدد الروافد الثقافية. يُعد تاريخ المغرب واليهود من أكثر الفصول تميزاً في شمال أفريقيا، حيث يتجاوز الوجود اليهودي في المغرب ألفي عام، متجاوزاً بذلك الفتح الإسلامي نفسه.
**الجذور التاريخية والحماية الملكية:**
لم يكن الوجود اليهودي في المغرب عابراً، بل تشكلت عبر القرون ثقافة “يهودية-مغربية” مشتركة. وعاش اليهود في حماية “أهل الذمة” وفق الضوابط الإسلامية، وتطورت حياتهم في “الملاحات” (الأحياء اليهودية) التي أصبحت فيما بعد مراكز للإبداع والتجارة.
ولعل أبرز محطات هذا الارتباط التاريخي هي موقف السلطان محمد الخامس بن يوسف خلال فترة الانتداب الفرنسي وحكم “فيشي” الموالي للنازية في الأربعينيات. رفض السلطان المغربي بشكل قاطع تطبيق القوانين المعادية للسامية التي فرضتها فرنسا، ورفض تسليم يهود المغرب إلى المحارق النازية، مؤكداً أنهم “رعايا مغاربة” ولن يمسهم أي أذى. هذا الموقف رسخ عقداً اجتماعياً وتاريخياً بين العرش المغربي والمكون اليهودي.
**المكون العبري في الدستور والهوية:**
في العصر الحديث، أدركت الدولة المغربية أن هذا التاريخ المشترك ليس مجرد ذكرى، بل هو جزء عضوي من الهوية الوطنية. وقد تجلى ذلك بوضوح في دستور 2011، والذي نص في ديباجته على أن الهوية المغربية “موحدة بتعدد روافدها”، حيث ذكر الدستور صراحةً المكون “العبري” كأحد الروافد الأساسية للهوية المغربية إلى جانب المكون العربي والأمازيغي والصحراوي والحساني.
اليوم، يُدرّس التاريخ اليهودي في المدارس المغربية، ويتم ترميم مئات المعابد والأحياء القديمة، ويُقام مهرجان “أندلسيات أطلس” وغيره من الفعاليات التي تحتفي بالموسيقى والذاكرة المشتركة. هذا لا يعني بالضرورة الموافقة السياسية المطلقة على كل المواقف، بل يعكس نضجاً تاريخياً للدولة المغربية في الفصل بين الذاكرة الثقافية/التاريخية وبين الصراع السياسي المعاصر، مما يجعل من المغرب حالة استثنائية في حفظ ذاكرته المتعددة.
خاتمة
إن قراءة المشهد العربي تتطلب فهماً دقيقاً لهذه التناقضات والتقاطعات. فمن ناحية، نرى كيف تتحول الملاعب والسوشيال ميديا إلى ساحات لـ “الحسد الجماعي” ومحاولة كسر المعنويات عند مواجهة نجاحات دولة بحجم مصر، وهو ما يعكس هشاشة بعض الروايات الإقليمية. ومن ناحية أخرى، يقدم المغرب درساً في كيفية احتضان التاريخ بكل تعقيداته، حيث يثبت أن الهوية الوطنية القوية لا تخشى ماضيها، بل تدمج روافدها المختلفة لتصبح أكثر ثراءً وعمقاً.





