
فراغ
قصة قصيرة من مجموعتى القصصية الهروب
بقلم / أحمد درويش العربى
أسفل السماء الواسعة، وعلى رمال الصحراء الشاسعة، وقفت وحدي.
لم يكن هناك ما يحدّ بصري، ولا ما يقطع الصمت، ومع ذلك شعرت كأن الهواء يضيق حول صدري.
في كل هذا الفراغ، لم أكن أفتقد المكان…
كنت أفتقد صوتًا واحدًا كان يفترض أن يكون هنا.
عندها تسلل السؤال إلى قلبي قبل عقلي:
هل البراح اتساع أرض؟
أم اتساع روح لا تُترك وحدها؟
عدتُ من الصحراء وأنا أحمل السؤال نفسه، كأنني لم أذهب بحثًا عن إجابة، بل هربًا من ضجيج لا يسمعه غيري.
كانت المدينة كما تركتها: شوارع مكتظة، وجوه متداخلة، وأصوات تتصادم كالأمواج. لكنني كنت أعبرها كمن يعبر حلمًا لا يعنيه.
الناس حولي كُثر، والفراغ في داخلي أوسع من كل هذا الامتلاء.
كانوا يقولون إن الزمن يداوي.
لم أفهم يومًا كيف يمكن لشيء أعمى أن يداوي جرحًا يعرف طريقه إلى القلب كل صباح.
الزمن لم يكن طبيبًا، بل كان شاهدًا صامتًا يراقب نزيفي ويكتفي بالمرور.
أنا لم أفقدها فحسب…
أنا فقدتُ نفسي في اللحظة التي توقفت فيها أنفاسها بين يديّ.
تعرفتُ إليها دون مقدمات تليق بالقصص الكبيرة.
لم يكن هناك مشهد درامي، ولا مصادفة تشبه الأفلام.
كانت تجلس في زاوية بعيدة من مقهى صغير، تقرأ كتابًا بدا أثقل من يديها.
رفعت رأسها حين سقط قلمي قرب قدمها، وحين أعادتْه إليّ، ابتسمت.
تلك الابتسامة…
لم تكن وعدًا، لكنها كانت البداية.
شيئًا فشيئًا، صارت حضورًا ثابتًا في أيامي.
لم تأتِ لتملأ فراغًا في حياتي، بل لتكشف لي أنني كنت فارغًا دون أن أدري.
كانت تحب التفاصيل الصغيرة: صوت المطر، ورائحة القهوة، والأغاني القديمة التي لا يتذكرها أحد.
وكانت تحبني… لا بطريقة صاخبة، بل بهدوء يشبه الاطمئنان.
معها، لم أكن أحتاج أن أكون أكثر مما أنا.
كانت ترى فيّ ما لم أره في نفسي بعد.
الحب، كما اكتشفته معها، لم يكن امتلاكًا ولا تعلقًا أعمى.
كان مشاركة الصمت دون خوف، والحديث دون تكلف، والاختلاف دون تهديد.
كنت أرى العالم من خلال عينيها، فأجده أقل قسوة، وأقل وحدة.
حين مرضت، لم نأخذ الأمر على محمل الخوف.
كان الأمر بسيطًا في البداية: تعب مفاجئ، ودوار عابر، وشحوب لا يستقر.
طمأننا الأطباء بكلمات محفوظة، وصدقناهم لأننا أردنا أن نصدق.
لكن المرض كان أسرع منا.
كأنه جاء ليخطفها، لا ليحاورها.
في تلك الليلة، كانت الغرفة بيضاء أكثر مما يجب.
الأجهزة تحيط بها، وأصواتها تقطع الصمت بانتظام قاسٍ.
كانت تمسك يدي، وكأنها تخشى أن تضيع في مكان لا أعرف طريقه.
قالت لي بصوت واهن:
“لو تعبتَ يومًا من الحياة… تذكر أنني كنت هنا.”
لم أفهم.
لم أكن أريد أن أفهم.
حين توقفت الأجهزة عن إصدار أصواتها، توقفتُ أنا أيضًا عن الإحساس بالزمن.
لم أبكِ.
لم أصرخ.
كنت فقط أحدق في وجهها، كأنني أنتظر أن تعود من غياب قصير.
ماتت بين يديّ،
ومعي ماتت فكرة الغد.
منذ ذلك اليوم، صار الفراغ رفيقي.
ليس فراغ المكان، بل فراغ المعنى.
حاول الناس من حولي.
قالوا كلامًا طيبًا، ونصحوا، وشجعوا، ودعوني إلى العودة للحياة.
لم يفهموا أنني لم أكن أبحث عن حياة…
كنت أبحث عنها هي.
كل شيء من دونها بدا زائدًا عن الحاجة.
الأيام متشابهة، والليالي طويلة، والضحك صوت غريب لا يعرف طريقه إليّ.
حتى نفسي صارت عبئًا عليّ، أجرّها من يوم إلى آخر بلا رغبة.
كنت أهرب من الزحام إلى أماكن خالية:
سطح بناية مهجورة، وشاطئ في غير موسمه، وصحراء لا يسألني فيها أحد عن اسمي.
هناك فقط، كان الفراغ يشبهني.
قالوا لي: “املأ الفراغ.”
لم يفهموا أن الفراغ لم يكن نقصًا…
كان امتلاءً بها.
كيف أملأ مكانًا كانت تشغله روح؟
كيف أستبدل حضورًا صار جزءًا من تكويني؟
أنا لا أرفض الحياة،
أنا فقط أرفض أن أعيشها من دونها.
في ليالٍ كثيرة، كنت أترك ضوء الغرفة مضاءً،
كأنني أهيئ المكان لعودتها.
وأحتفظ بأشيائها كما هي،
لا لأنني عاجز عن التخلي، بل لأنني أؤمن ــ أو أتظاهر بالإيمان ــ أنها ستحتاجها حين تعود.
أحيانًا، أشعر بها.
في نسمة باردة، أو جملة عابرة، أو أغنية لم نسمعها معًا.
وأحيانًا، أتوهم صوتها يناديني، فألتفت دون وعي.
الفراغ ليس صامتًا كما يظن الناس.
الفراغ يهمس، ويضغط، ويذكّر.
هو مساحة تتسع لكل ما لم يُقل، ولكل ما لم يكتمل.
أنا أعيش في هذا الفراغ بإرادتي.
ليس لأنه مريح، بل لأنه آخر ما تبقى لي منها.
إن ملأته، أخونها.
وإن خرجت منه، فكأنني أعترف بأنها لن تعود.
في الصحراء، حيث بدأت حكايتي مع السؤال،
أدركت شيئًا متأخرًا:
البراح ليس اتساع أرض،
ولا ضيق صدر.
البراح هو أن تُترك روحك وحدها،
بعد أن اعتادت الامتلاء بروح أخرى.
وأنا…
لم أعد أخشى الفراغ.
لقد صار وطني الأخير.
أعيش فيه،
وأنتظر.
انتهت





